مصالح الدين، وحقيقة الحال أنه يسعى في تحصيل مرغوبات نفسه ومطالبها، كما قال الحسين بن علي رضي الله عنهما: إن الناس عبيد الأموال، والدين لغو على ألسنتهم يحوطونه ما درَّت به معايشهم فإذا مُحّصوا بالابتلاء قلّ الدّيّانون [1] .. ولا يزال الشيطان أعاذنا الله منه يزين له ذلك حتى تتبدّل الموازين عنده، ويصبح ما وافق هواه ولبّى حاجته هو الحق والصلاح والخير والهدى، وما سوى ذلك فباطل مردود، نعوذ بالله تعالى من الخذلان، وسبق أن نبهتك على أنه ما من عمل يقدم المرءُ عليه إلا وهو يرى أن المصلحة في فعله، حتى أن إبليس لما أراد غواية آدم عليه السلام وزوجه لم يزل يخدعهما بأن المصلحة في مخالفة أمر الله سبحانه بالأكل من الشجرة، وأن المصالح المترتبة على ذلك خُلْدٌ وملكٌ لا يبلى، وحلف لهما على ذلك جهد يمينه وأنه لهما ناصح أمين، حتى اطمأنا إليه وجرى عليهما ما جرى مما قصه الله تبارك وتعالى، فكل من كان هذا حاله من الخلق في تقديم مصالح نفسه وأهوائها على مصالح دينه وأخراه فله من مشابهة إبليس في ذلك نصيب ولا بد، وإبليس -أعاذنا الله تعالى من شرّه- له في هذا الباب مصايد ومكايد لا نجاة منها إلا بالالتجاء إلى الله تعالى والاعتصام به، وطلب العلم النافع الذي يتميز به الحق من الباطل والغي من الرشد، ومن هذا الذي ذكرت ل ك يتبيَّن معنى ما قيل من أن صور المخالفة ل لشرع بحجّة تحصيل المصالح كثيرة لا تتناهى، فإنها متعددة بتعدد أهواء النفوس وتنوع مطالبها وتلبيسات الشيطان ومكايده للعباد، ولكن ما سنذكره من الصور والأمثلة على ما وقع فيه القوم من الضلالات والمخالفات فإنما هو بمنزلة الأصل لما يذكر، أو بمنزلة القواعد الكلية التي ترد إليها الفروع العملية، فلنبدأ في بيان الأمثلة والصور المشار إليها فنقول والله المستعان:
الأولى: فيما وقعوا فيه من الإعراض عن دعوة الناس إلى التوحيد وجمعهم على غيره، ودحض شبهاتهم في ذلك.
أما كون التوحيد هو أصل دعوة الأنبياء والمرسلين فقد مضى منه ما فيه الكفاية إن شاء الله تعالى، وحسب من خالفَ هذا الأصل أن يكون مخالفًا لجميع الأنبياء والرسل وكفى بذلك سقوطًا وخذلانًا (نسأل الله تعالى السلامة والعافية) ، وأما الانشغال بدعوة الناس إلى غيره وجمعهم على ما سواه: فمنه ما يكون من مصالح الدين وقد حثّ الشارع عليه وندب إليه إلا أنه مكمل للتوحيد متمم له، وليس بخاف عليك -إن شاء الله
(1) الصناعتين -الكتابة والشعر لأبي الهلال العسكري ص 8.