الصفحة 55 من 90

تعالى- أن العبد لا يقبل منه شيء من العمل حتى يحقق ما أمره الله تبارك وتعالى به من توحيده وإخلاص العبودية له، ومع ذلك فإنك ترى من القوم مَنْ يجمع مِنَ الناس كل شاردة وواردة وهو يرى ما هم عليه من الشرك والكفر والإعراض عن الدين، وهو لا ينكر عليهم من ذلك مثقال حبة من خردل، ثم لا يمنعه ذلك عن دعوتهم إلى ما يدعوا هو إليه ظنًا منه أن في جمعهم على ذلك مصلحةً يُرتجى تحقيقها.

فمنهم من يجمع الناس على تهذيب النفوس وتزكيتها، وتحليلها بالأخلاق الفاضلة الحميدة من صلة الأرحام وبر الوالدين والصدق والأمانة والوفاء بالعهد والكرم والشجاعة وغير ذلك مما لا ينكره ذو عقل سويّ فضلًا عن شريعة الله القويمة ودينه العظيم، ومع ذلك ترى منهم من يدعوا غير الله تعالى ويستغيث بالأولياء، ويعتقد فيهم النفع والضر وغير ذلك من جلي الشرك وخفيه وهم لا يعرفون بذلك رأسًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومنهم من رأيناه -والله- يجمع الناس على طلب العلم وتحصيله، وهم فيه أهل همة واجتهاد، يسهرون لأجله ليلهم، ويظمئون في حفظه نهارهم، ويعكفون على تعلم فقه مسائل الأحكام وغيرها من مسائل الآداب والمعاملات، ويعرضون عن النظر في مسائل التوحيد، والنظر في ردود علماء أهل السنة رحمهم الله تعالى على مقالات الفرق وتعلمها وتعليمها لما يؤدي إليه ذلك من وقوع مفسدة التنازع والاختلاف، وتفويت مصلحة الاجتماع والائتلاف -زعموا- ولا يضرهم مع ذلك أن يجالسهم الرجل ويغشى حِلَقهم أيًا كان مذهبه ولأي طائفة انتسب، فلا فرق عندهم بين سني وبين رافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من المنتسبين للفرق: حتى لقد شاهدنا منهم من يعظم رؤوس الزنادقة والباطنية، كابن عربي وابن سينا وابن الريوندي وأبي حيان التوحيدي وغيرهم من المتشككين في الدين المتهمين بالزندقة والإلحاد، لأنهم بزعمهم من أهل العلم، وتعظيم أهله واجب .. ! وعلى مثل ذلك فلتبك البواكي.

وكذا حال كلِّ من يجمع الخلق على عبادة من العبادات أو طاعة من الطاعات كدعوتهم إلى حضور الجمع والجماعات بل وإلى القتال وإعداد العدة له مع إغفاله دعوة الناس إلى أصل هذا الدين وهو تجريد العبودية لله وحده لا شريك له، وهم في ذلك يزعمون أن دعوة الناس إلى التوحيد وإنكار ما هم عليه من بدع وضلالات وشرك وكفر تنفير لهم عن الدين وصدّ عنه، فليت شعري إلى أي دين بعد ذلك يدعون .. ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت