وأما جمع الخلق على مصالح الدنيا واتخاذُ ذلك شرعةً ومنهاجًا، فاعلم أن مصالح الدنيا كما قال الإمام أبو محمد عز الدين بن عبد السلام السلمي [1] : تنقسم إلى الضرورات والحاجات والتتمات والتكملات. فالضرورات كالمآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح وغيرها، وأقل المجزئ من ذلك ضروري، وما كان في أعلى المراتب فهو من التتمات وما كان متوسطًا بينهما فهو من الحاجات، قلت: ولا شك أن تحصيل الضروري من ذلك والذي به قوام الحياة مطلوبٌ ولا بد، ولكن على أن لا يكون ذلك هو سبيل الدعوة، ولأجله اجتماع الخلق مع تضييع أصل الدين والإعراض عن بيانه للناس وتعليمه لهم، فترى من القوم من يجمع الناس على تحسين المعايش وتوسيع الأرزاق وتحصيل المكاسب الدنيوية من الصناعات والتجارات والقيام على دفع ما ابتليت به الأمة من الجوع والفقر وضيق اليد، ويتوهم أن المصلحة العظيمة في ذلك، لما يرى من اجتماع الناس إليه وتكالبهم عليه، وأن دعوتهم إلى الدين والتوحيد وبيان الحق لهم وتحذيرهم من الباطل والضلال والهوى سبب لصدهم وإعراضهم.
ومنهم من يقيم دعوته على تحصيل العلوم الدنيوية من الطب والهندسة [2] والمساحة وتحصيل علوم الاقتصاد والفلك والصناعات والتجارات والزراعات وغير ذلك، وينشغل بدعوة الخلق والعباد إليه ويزعم أنّ ما حلّ بالأمة من ضعف وذلّة ومهانة وتكالب من أعداء الله عليها إنما هو بسبب تخلفها عن تحصيل ما عند الأمم الكافرة من هذه العلوم، ويغفل عما وقعت فيه الأمة من إعراض عن كتاب الله وشريعته وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وما وقعت فيه تحكيم التشريعات الأرضية، والأهواء والعادات المتبعة، وموالاة أعداء هذا الدين ومحبتهم والتشبّه بهم فيعرض عن بيانه للناس وتحذيرهم منه، ولا فرق عند هؤلاء بين القائل بخلق القرآن، ومن قال هو كلام ربنا الرحمن، فكل ذلك لا حساب له عندهم وليس هو في مقام المصالح المعتبرات .. !
(1) قواعد الأحكام 1/ 2/60.
(2) الكلمة أصل في العربية، فإنه يُقال الهِنْدِسُ من الرجال: المجرب الجيد النظر، المُهنْدِس: مقدر مجاري القُنيّ حيث تحفر، والاسم ا لهندسة: وفي اللسان/ هو مشتق من الهنداز هي فارسية أصلها أو أنداز فصيرت الزاي سينا لأنه ليس في شيء من كلام العرب زايٌ بعد الدال.