فأنت ترى أن المصالح تتفاوت مراتبها، وأن منها ما هو أصلي ومنها ما هو مكمل وأنه إذا لزم اعتبار أدهما دون الآخر، وجب اعتبار الأصل وما عارضه فلا يعتبر، لا أنه يعتبر وإن أدى إلى فوات الأصل بحجّة أن الشارع قد اعتبره ابتداءً كما هو لسان حال القوم، فتراهم مثلًا ينظرون إلى جمع الناس على حفظ المال وتحسين أحوالهم في معايشهم وأرزاقهم ومعاملاتهم، مع إغفال أصل ذلك كله، وهو حفظ الدين الذي به قوام الدنيا والآخرة، وسيأتي مزيد أمثلة لذلك إن شاء الله تعالى. أعود فأقول هذا نظر القوم إلى المقاصد وهو قاصر كما رأيت، أما الوسائل فتهاونهم بها أعظم وأشد على نحو ما ذكرنا سابقًا (في قولنا في السبب الثاني ومنها الاغترار ... الخ) . واعلم أن ما سبق ذكره من آيتي سورة يوسف وسورة الشورى دليل على أن الوسيلة في الدعوة إلى الله تعالى لا بد أن توافق الأمر الشرعي كما قال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ .. } وقال: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي .. } ، والدعوة إلى الله تعالى دين وعبادة، وتقرب إليه سبحانه ولا يحل لأحد كائنًا من كان أن يتعبّد الله تعالى وأن يتقرّب إليه إلا بما شرع، ومما يناسب هذا المقام أن نذكر ما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى [1] عن جماعة يجتمعون على قصد الكبائر: من القتل، وقطع الطريق، والسرقة، وشرب الخمر، وغير ذلك، ثم إن شيخنا من المشايخ المعروفين بالخير وتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك، فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعًا يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدف بلا صلاصل، وغناء المغني بشعر مباح بغير شبابة، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة، وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي تورع عن الشبهات، ويؤدي المفروضات، ويجتنب المحرمات، فهل يُباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه لما يترتب عليه من المصالح، مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا .. ؟!
فأجاب -رضي الله عنه- بكلام نفيس جدًّا محصله، أن فعل هذا الشيخ المذكور بدعة محرمة، وأن فاعل ذلك ضال متقرّب إلى الله تعالى بغير ما شرع، ومما قال في جوابه رحمه الله، وأخبر (يعني الله سبحانه) أنه يدعوا إلى الله وإلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} وقال رحمه الله: إذا عرف هذا فمعلوم أنما يهدي الله به الضالين، ويرشد به الغاوين
(1) الفتاوى 11/ 620 إلى 635.