وحتى يتّضح لك المقام أقول: ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى كالشاطبي [1] وغيره أن المقاصد على ثلاثة أقسام ضرورية وحاجية وتحسينية.
فأما الأولى فما بها قوام مصالح الدنيا والدين وهي حفظ الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل.
وأما الثانية، فهي المحتاج إليها للتوسعة ورفع الضيق المؤدّي في الغالب إلى الحرج والمشقّة.
وأما الثالثة، فهي الأخذ بمحاسن العادات واجتناب الأحوال التي تأنفها العقول السوية، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق.
فهذه الثلاثة كما ترى كلها مقاصد مراعاة على سبيل الجملة لكنها قد يقع لبعضها -لتفاوت مراتبها- سقوط اعتبار في بعض الأحايين وإليك ما قاله الشاطبي رحمه الله تعالى في هذا ثم أذكر لك بعده ما أريد الوصول إليه:
قال رحمه الله بعدما ذكر أن كل مرتبة من المراتب السابقة [2] ينضم إليها ما هو كالتتمة والتكملة وأن الحاجيات كالتتمة للضروريات، وكذلك التحسينات كالتكملة للحاجيات:"كل تكملة فلها -من حيث هي تكملة شرط، وهو أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال، وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها فيصبح اشتراطها عند ذلك لوجهين:"
أحدهما: أن في إبطال الأصل إبطال التكملة، لأن التكملة مع ما كملته كالصفة مع الموصوف، فإذا كان اعتبار الصفة يؤدي إلى ارتفاع الموصوف لزم من ذلك ارتفاع الصفة أيضًا، فاعتبار هذه التكملة على هذا الوجه مؤد إلى عدم اعتبارها، وهذا محال لا يتصور. وإذا لم يتصور لم تعتبر التكملة واعتبر الأصل من غير مزيد.
والثاني: أنا لو قدرنا تقديرًا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية لكان حصول الأصلية أولى لما بينهما من التفاوت"انتهى كلامه رحمه الله."
(1) الموافقات 1/ 2/325.
(2) السابق 1/ 2/329.