خاطئةٍ، وذبٍ عن أعراض المجاهدين وقادتهم وشيوخهم، وهذا يحصل بمجرد الكتابة والبيان، وأما التشغيب فهو خارج عن قصدنا فلا نلتفت إليه، بخلاف النقاش العلمي فهو ما نسعى إليه ونرحب بأصحابه، فمن فهم كتاباتنا على هذا النحو فقد أصاب، وإلا فهو مخطئ ولاشك.
والأصل في المسلم المجاهد إحسان الظن به، وخاصة إذا عُلِمَ عنه الديانة والصدق والتقوى والحرص على اتباع الحق والسنة، كما قال الله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [1] ، وروى البيهقي في"شعب الإيمان"عن سعيد بن المسيَّب ~ قال: (كَتَبَ إِليَّ بَعْضُ إِخْوَانِي مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ: أَنْ ضَع أَمْر أَخِيكَ المُسْلِم عَلَى أَحْسَنِهِ، مَا لَم يَأْتِكَ مَا يَغْلِبُكَ، وَلَا تَظُنَّنَ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِن امرِئٍ مُسْلِمٍ شَرًّا، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيرِ مَحْمَلًا) [2] ، وذكر ابن مُفلح في كتابه"الآداب الشرعية"تحت عنوان"فصل في حسن الظن بأهل الدين": (قال ابن عبد البر في كتاب"بهجة المجالس": قال عمر بن الخطاب >: لَا يَحِلُّ لامرِئٍ مُسْلِمٍ يَسْمَعُ مِن أَخِيهِ كَلِمَةً يَظُنُّ بِهَا سُوءًا، وَهُوَ يَجِدُ لَهَا فِي شَيءٍ مِنَ الخَيرِ مَخْرَجًا) [3] .
وهذا الخلق النبوي، وهو خلق تقديم إحسان الظن بأهل الدين والجهاد قد ابتُلي الناس في زماننا بهجره وإضاعته، وأصبح الأصل عند كثير من الناس إساءة الظن بغيرهم، والقاعدة الأصولية المقررة أن الأصل في الإنسان براءة الذمة، فالأصل في المجاهدين براءة الذمة، وأن تُحمل أقوالهم وأفعالهم على أحسن محاملها، ويُقدَّم فيها إحسان الظن، وهذا يدل على أن أكثر الخصومات الحاصلة في هذا الباب هي خصومات أخلاقية نفسية، ألبسها البعض زورًا لباس العلم والمنهج، وحقيقتها أنها الهوى وعصبية الخصومة، ومن خالط الجماعات والأشخاص وعرف حالهم عن قُرب وتأمُّل، أدرك ذلك يقينًا.
ومن الخصومات التي أثارها البعض حول"هيئة تحرير الشام"ما ادعوه من انحرافها عن الحق، ووصفها بالتلون وتمييع التوحيد لأجل أمور فعلتها اجتهادًا منها، لم تخرج فيها عن كلية الحق، وإن ارتأى البعض أنها أخطأت في بعض جزئيات أفعالها، فإنه لا أحد معصوم بعد النبي (، لكن الخطأ في بعض الجزئيات التي يسوغ فيها الاجتهاد لا يعني الوصف بالانحراف، طالما سلمت الكليات من الزيغ - وإلا لما كان أحد من الناس على حق بعد الأنبياء & -، فضلًا عن صد الناس عن الجهاد في صفها، والمتأمل لهذا الصد لا يخالطه شك أن التحريض على هذه الجماعة وصد الناس عن الالتحاق بها والجهاد في صفها، مآله الصد عن سبيل الله وتعطيل الجهاد، لا نقول ذلك على سبيل التقديس لذات الجماعة وحصر الحق فيها كما قد يتصور البعض،
(1) النور: 12.
(2) الجامع لشعب الإيمان (7992) ، 10/ 559.
(3) الآداب الشرعية، 1/ 77.