إن ابن السنوسي لم يترك فرصة تمر إلا واتخذها لتعزيز مركز دولة الخلافة والأخذ بيدها، وكان يرأى أن طرق الاقناع هي خير الوسائل لبلوغ الأهداف السامية، ولم يستعن ابن السنوسي بأي دولة أجنبية، أو تعاون مع أي منها، أو ترامى في أحضانها، أو قام بتشجيع الثورات التي لاتأتي بفائدة مرجوة للمسلمين.
إن خطواته الدعوية الحكيمة قد اغضبت بعض العاطلين من الحكام والجامدين من العلماء، والمفكرين من دهاة الاستعمار ودعاته، واستطاع ببعد نظره، وحكمته أن يتغلب عليهم، وأن يرسم خطوطًا متينة سار عليها اتباعه من بعده [1] .
وقد تكلمت جريدة (الماتين الفرنسية) عام 1912م، عن البعد السياسي عند ابن السنوسي فقالت:"لم يكن مجئ السنوسيين إلى طرابلس وتوطنهم فيها من قبيل المصادفات والاتفاق، فهؤلاء أدركوا من زمن طويل أن الأوربيين سيستولون على طرابلس الغرب بعد استيلائهم على الجزائر، ومراكش، فأرادوا أن يقعوا وراء ساحل طرابلس كالبنيان المرصوص ليدافعوا عن بيضة الإسلام عندما تطلق أوربا أساطيلها بسهولة على تلك السواحل" [2] .
لقد كان ابن السنوسي لايفرق بين الدين والدولة، بل كان يرأى أن الدين والدولة كل لايتجزأ، ولهذا كانت نظرته إلى الحياة نافذة، استمدها من دينه الذي يدعو إلى الشمول ولو كان البعد السياسي غائبًا عن ابن السنوسي، لما حاربته حكومة السلطان مولاي سليمان في مراكش، ولما ناصبه العداء حكام الجزائر، ولما أوجس منه حاكم مكة خيفة، ولما تحرش به بعض علماء مصر، ولما اهتمت بشأنه دولة الخلافة، ولما فزعت منه دول الإستعمار رعبًا وفي مقدمتها فرنسا، ولو كان كمثل شيوخ الطرق الصوفية التقليدية لبقى معززًا محترمًا ولعاش عيشة الخنوع والإستسلام [3] .
يقول الاستاذ عباس محمود العقاد (وكان الشيخ السنوسي
(1) انظر: السنوسي الكبير، ص108، 109.
(2) المصدر الكبير، ص116.
(3) انظر: السنوسي الكبير، ص97.