المبحث الثالث
الجمهورية الطرابلسية
إن تاريخ الجهاد الليبي ملئ بالمحطات المهمة التي ينبغي الوقوف عندها درسًا للوقائع واستجلاء للحقائق واستفادة من العبر قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} (سورة ق، آية: 37) .
لقد كان إعلان الجمهورية الطرابلسية محاولة مبكرة لإقامة دولة مستقلة لها دستورها، ومؤسساتها، وهياكلها، وبذلك أصبحت لهذه الحادثة سبقًا تاريخيًا في عالمنا الإسلامي والعربي، ولذلك لابد من تسليط الأضواء عليها والتعريف بها، ونستطيع القول إن بداية الفكرة ظهرت مع ظهور ورجوع سليمان الباروني في ساحة الجهاد الليبي مرسلًا من قبل الخلافة العثمانية التي خولته الولاية على طرابلس والقيادة، ونقصد بظهوره بعد غيابه المفاجئ من ساحة الجهاد وذهابه إلى الأستانة عاصمة دار الخلافة، حيث نزل عن طريق غواصة ألمانية بقصر (حمد) بمصراته في 16 أبريل 1916م [1] . كان رجوع سليمان الباروني بعد أن مهد الأتراك لهذا الإلحاق فاستصدروا (فرمانًا) مرسومًا سلطانيًا من جلالة السلطان بإلحاق طرابلس بتركية.
وقد جاء هذا القرار في وقت كان الطرابلسيون محتاجين فيه إلى المساعدة، ففرحوا به، وكانت سياسة الترك والألمان تستهدف لإذكاء نار الثورة في طرابلس واستئنافها في برقة إن أمكن من طريق وجودهم في طرابلس من شغل أكبر عدد ممكن من الجيوش الإنجليزية والإيطالية [2] .
وقام الشيخ سليمان الباروني بمجموعة من الإجراءات الإدارية والمالية للإشراف على قيادة وتنظيم المجاهدين لمواجهة تحركات الجيوش الإيطالية وفي إطار التنظيمات
(1) انظر: مجلة الانقاذ عدد 29 بقلم سالم نوح، ص44،45.
(2) انظر: جهاد الابطال للزاوي، ص203.