الهجوم على مصر، يقضي بأن يكون ادريس مسؤولًا في برقة البيضاء، ويكون مركزه في اجدابية.
لهذه الاسباب وغيرها اتخذها محمد ادريس عاصمة لامارته الجديدة، ومقر رئاسة حكومته، ونظم بها دواوين الحكومة السنوسية، وقسم الادارات ونظم ورتب الجيش، وشمل نفوذ هذه الحكومة جميع أراضي برقة من الحدود المصرية الليبية شرقًا الى قصر سرت غربًا ماعدا المنطقة الساحلية التي كانت خاضعة للسيادة الايطالية [1] .
إن الاتفاق الذي أجراه السيد محمد ادريس سواء مع الطليان او الانكليز لايحمل باي شكل من الأشكال استسلام أو قبول للواقع، وإنما هي مرحلة مؤقتة هدفها إنقاذ البلاد وتوحيد الصفوف وتقويتها، فأثبت بعمله ذلك حرص الحركة السنوسية على صيانة البلاد وحمايتها وما إتفاق عكرمة بطبرق الذي عقد في السادس من نيسان سنة 1917م إلا حل قصد منه تهدئة خواطر الأهالي وتبعه اتفاق الرجمة والتي اعترفت فيه ايطاليا بإمارة محمد ادريس وقد قصدت إيطاليا من ذلك تجزئه البلاد، إلا أن زعماء ليبيا في غربها بددوا أمالها وأفشلوا مساعيها حينما عقدوا مؤتمر غريان في تشرين الثاني 1921م وأقروا تعيين محمد ادريس أميرًا على البلاد فارسلوا البيعة له في أيلول سنة 1922م، فحققوا بذلك الوحدة الوطنية للبلاد، ووضعوا محمد ادريس أمام مسؤولية عظيمة تتطلب منه تولي زمام الأمور والسير بالبلاد الى حريتها واستقلالها، لقد أصبحت مسؤولية محمد ادريس بعد تلك البيعة التاريخية ليست برقة فقط، كما أرادت إيطاليا وإنما ليبيا بقطريها الطرابلسي، والبرقاوي، وإن إمارته ليست منحة إيطالية، وإنما هي رغبة شعبية وإرادة جماهيرية، وضرورة شرعية وقد جاء في رده على كتاب البيعة التالي: (وبعد فقد تناولت بيد الشكر عريضتكم التي أظهرتم فيها رغبتكم الخالصة في تحقيق غايتكم التي أجمعتم عليها في مؤتمر غريان وجهادتم لها جهادًا صادقًا بالأنفس، والثمرات في شخصي فأخذتها داعيًا لله أن يحقق آمال هذه الأمة، ويكلل مساعيها كلها بنجاح، ولما كان اتحاد الوطن وسلامته هما الغاية التي
(1) انظر: الحركة الوطنية شرق ليبيا، ص111.