لقد استمرت عروض الايطاليين على عمر المختار حتى بعد رجوعه للبلاد وحاولوا استمالته بالمال الطائل، والمناصب الرفيعة، والجاه العريض في ظل حياة رغيدة ناعمة ولكنهم لم يفلحوا، لقد كان عمر المختار رجل عقيدة، وصاحب دعوة ومؤمنًا بفكرة استمدت اصولها وتصوراتها من كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويفهم جيدًا معنى قول الله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها مانشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا} (الاسراء، الآية) .
وعندما خرج السيد عمر المختار من مصر قاصدًا برقة لمواصلة الجهاد اجتمع به مشايخ قبيلته الموجودون بمصر من المتقدمين في السن وحاولوا أن يثنوه عن عزمه بدعوى أنه قد بلغ من الكبر عتيا وان الراحة والهدوء ألزم له من أي شيء آخر وأن باستطاعة السنوسية أن تجد قائدًا غيره لتزعم حركة الجهاد في برقة، فغضب عمر المختار غضبًا شديدًا وكان جوابه قاطعًا فاصلًا فقال لمحدثيه: (إن كل من يقول لي هذا الكلام لا يريد خيرًا لي لأن ما أسير فيه إنما هو طريق خير ولا ينبغي لأحد أن ينهاني عن سلوكها، وكل من يحاول ذلك فهو عدو لي) [1] .
لقد كان عمر المختار يعتقد اعتقادًا راسخًا أن ماكان يقوم به من الجهاد إنما هو فرض يؤديه وواجب ديني لامناص منه ولا محيد عنه ولذلك أخلص في عمله وسكناته واحواله وأقواله لقضية الجهاد في ليبيا وكان يكثر من الدعاء لله تعالى بأن يجعل موته في سبيل هذه القضية المباركة، فكان يقول: (اللهم اجعل موتي في سبيل هذه القضية المباركة) [2] ، وأصر على البقاء في أرض الوطن الحبيب وقال: (لا أغادر هذا الوطن حتى ألاقي وجه ربي والموت أقرب الى من كل شيء فإني أترقبه بالدقيقة) [3] .
(1) انظر: السنوسية دين ودولة، ص271.
(2) انظر: عمر المختار نشأته وجهاده للحساوي، ص36.
(3) المصدر السابق نفسه، ص37.