فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 151

القيامة) فخذلان المؤمن حرام شديد التحريم دنيويا كان مثل أن يقدر على دفع عدو يريد أن يبطش به فلا يدفعه أو دينيا" [1] "

قلتُ: فلو وضع المسلم الذي يعيش العيش الرغيد نفسه في موضع أخيه المتقلب في الآصار والأغلال، واستشعر الأخوة الإيمانية التي تجمعهما، لبذل الغالي والنفيس في تنفيس كربة أخيه، وجاد في سبيل تحريره بكل ما تملكه يمينه، ولا أظننا في زمان يخذل فيه المسلم أخاه، بالكلية وإن كثر المخذلون، ففي الأمة طلائع طائفة منصورة، لن يزال أبناؤها على الحق ظاهرين.

ولو لم يرد في الشريعة المطهرة إلا ما تقدم من النصوص العامة في الدلالة على وجوب نصرة المسلم والذب عن عرضه، والدفاع عنه، لكفى بها دليلًا على وجوب استنقاذ الأسرى وفكاك المعتقلين، وحافزًا على بذل الوُسع في رفع المظلمة ودفع الضيم عنهم.

فكيف وقد وردت نصوص ظاهرة الدلالة على وجوب هذا العمل بعينه، كما في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء:75] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما لَكُمْ لَا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حَضٌّ عَلَى الْجِهَادِ. وَهُوَ يَتَضَمَّنُ تَخْلِيصَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ أَيْدِي الْكَفَرَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسُومُونَهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، وَيَفْتِنُونَهُمْ عَنِ الدِّينِ، فَأَوْجَبَ تَعَالَى الْجِهَادَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِنْقَاذِ الْمُؤْمِنِينَ الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَلَفُ النُّفُوسِ. وَتَخْلِيصُ الْأُسَارَى وَاجِبٌ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إِمَّا بِالْقِتَالِ وَإِمَّا بِالْأَمْوَالِ، وَذَلِكَ أَوْجَبُ لِكَوْنِهَا دُونَ النُّفُوسِ إِذْ هِيَ أَهْوَنُ مِنْهَا. قَالَ مَالِكٌ: وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَفْدُوا الْأُسَارَى بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (فُكُّوا الْعَانِيَ) .وَكَذَلِكَ قَالُوا: عَلَيْهِمْ أَنْ يُوَاسُوهُمْ فَإِنَّ الْمُوَاسَاةَ

(1) - فيض القدير (6/ 46) (8375)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت