وقال:"وَقَوْلُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ أَيْ لَا يَتْرُكُهُ مَعَ مَنْ يُؤْذِيهِ وَلَا فِيمَا يُؤْذِيهِ بَلْ يَنْصُرُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ تَرْكِ الظُّلْمِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ" [1]
قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَسْلَمَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا أَلْقَاهُ فِي التَّهْلُكَةِ وَلَمْ يَحْمِهِ مِنْ عَدُوِّهِ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ أَسْلَمْتَهُ إِلَى شَيْءٍ لَكِنْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْإِلْقَاءُ فِي الْهَلَكَةِ [2]
قال النووي رحمه الله:"وَأَمَّا لَا يَخْذُلُهُ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ الْخَذْلُ تَرْكُ الْإِعَانَةِ وَالنَّصْرِ وَمَعْنَاهُ إِذَا اسْتَعَانَ بِهِ فِي دَفْعِ ظَالِمٍ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ إِعَانَتَهُ إِذَا أَمْكَنَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ". [3]
ومن ذلك أن يسلمه للجوع أو الخوف أولعدو يتربص به الدوائر وهذا أمر مجمع على تحريمه.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ تَرَكَهُ يَجُوعُ وَيَعْرَى - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إطْعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ - فَقَدْ أَسْلَمَهُ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يُخْبِرُ بِذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ، وَبِكُلِّ مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ نَقُولُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ» .وَالنُّصُوصُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَالْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ فِي هَذَا تَكْثُرُ جِدًّا. [4]
فَأَمَّا إذَا رَأَى الْعَادِلُ أَبَاهُ الْبَاغِيَ، أَوْ جَدَّهُ، يَقْصِدُ إلَى مُسْلِمٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ، أَوْ ظُلْمَهُ، فَفَرْضٌ عَلَى الِابْنِ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِغَيْرِهِ عَنْهُ، وَفَرْضٌ عَلَيْهِ دَفْعُهُ عَنْ الْمُسْلِمِ - بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ - وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ قَتْلُ الْأَبِ، وَالْجَدِّ، وَالْأُمِّ.
(1) - فتح الباري لابن حجر (5/ 97)
(2) - تحفة الأحوذي (4/ 576)
(3) - شرح النووي على مسلم (16/ 120)
(4) - المحلى بالآثار (4/ 282)