فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 80

إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى جِنَايَتِهِ لَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَمَرَ بِدَفْعِهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ ذَهَبَتْ جِنَايَةُ عُدْوَانِهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَإِلَى حَرِيمِهِ هَدَرًا، وَالشَّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ تَأْبَى هَذَا وَهَذَا؛ فَكَانَ أَحْسَنَ مَا يُمْكِنُ وَأَصْلَحَهُ وَأَكَفَّهُ لَنَا وَلِلْجَانِي مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا دَافِعَ لِصِحَّتِهَا مِنْ حَذْفِ مَا هُنَالِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَصَرٌ عَادَ لَمْ يَضُرَّ خَذْفُ الْحَصَاةِ، وَإِنْ كَانَ هُنَالِكَ بَصَرٌ عَادَ لَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ؛ فَهُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ صَاحِبُهُ لِلتَّلَفِ، فَأَدْنَاهُ إلَى الْهَلَاكِ، وَالْخَاذِفُ لَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُ، وَالنَّاظِرُ خَائِنٌ ظَالِمٌ، وَالشَّرِيعَةُ أَكْمَلُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تُضَيِّعَ حَقَّ هَذَا الَّذِي قَدْ هُتِكَتْ حُرْمَتُهُ وَتُحِيلَهُ فِي الِانْتِصَارِ عَلَى التَّعْزِيرِ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ فَحُكْمُ اللَّهِ فِيهِ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] ." [1] "

جواز قتل من لا تندفع الفتنة إلا بقتله:

قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَأَفْتَيْت أَمِيرًا مُقَدَّمًا عَلَى عَسْكَرٍ كَبِيرٍ فِي الْحَرْبِيَّةِ إذْ نَهَبُوا أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَنْزَجِرُوا إلَّا بِالْقَتْلِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ يَكُفُّونَ بِقَتْلِهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ عَشَرَةٌ إذْ هُوَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ قَالَ وَأَمَّرَ أَمِيرًا خَرَجَ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ الثَّائِرَةِ بَيْنَ قَيْسِ يَمَنَ وَقَدْ قُتِلَ بَيْنَهُمْ أَلْفَانِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ يَحْصُلُ بِقَتْلِهِ كَفُّ الْفِتْنَةِ وَلَوْ أَنَّهُمْ مِائَةٌ.

قَالَ: وَأَفْتَيْت وُلَاةَ الْأُمُورِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ بِقَتْلِ مَنْ أُمْسِكَ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ سَكْرَانُ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ مَعَ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهُوَ مُجْتَازٌ بِشُقَّةِ لَحْمٍ يَذْهَبُ بِهَا إلَى نُدَمَائِهِ وَكُنْت أَفْتَيْتُهُمْ قَبْلَ هَذَا بِأَنَّهُ يُعَاقَبُ عُقُوبَتَيْنِ: عُقُوبَةً عَلَى الشُّرْبِ وَعُقُوبَةً عَلَى الْفِطْرِ فَقَالُوا مَا مِقْدَارُ التَّعْزِيرِ فَقُلْت هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الذَّنْبِ وَحَالِ الْمُذْنِبِ وَحَالِ النَّاسِ.

وَتَوَقَّفْتُ عَنِ الْقَتْلِ فَكَبُرَ هَذَا عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالنَّاسِ حَتَّى خِفْت أَنَّهُ إنْ لَمْ يُقْتَلْ يَنْحَلُّ نِظَامُ الْإِسْلَامِ عَلَى انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَأَفْتَيْت بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ ظَهَرَ فِيمَا بَعْدُ أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا وَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ" [2] "

(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 256)

(2) - الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 532)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت