عَنْ غَيْرِهِ إلَّا بِالْقِتَالِ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [1]
"وَقَدْ ذَكَرَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ النَّفْسَ، وَكَانَ مُسْلِمًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي قَبْلَ ذِكْرِهِ صُورَةَ الِاثْنَيْنِ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْقِتَالِ أَنْ يُهْلِكَهُمْ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ أَنْ يُفَرِّقُوا جُمُوعَهُمْ وَيَرُدُّوهُمْ إلَى الطَّاعَةِ، وَقَالَ يَكُونُ حُكْمُ الْإِمَامِ مَعَهُمْ حُكْمَ الْمَصُولِ مَعَ الصَّائِلِ يُدْفَعُ بِالْأَيْسَرِ فَالْأَيْسَرِ، وَقَالَ فِي الصَّائِلِ إنْ قَدَرَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ عَلَى الْهَرَبِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ: عَلَيْهِ أَنْ يَهْرُبَ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَهْرُبَ وَحَكَى الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ مَعَ ذَلِكَ إيجَابُ مُصَابَرَةِ الْعَادِلِ لِلِاثْنَيْنِ مِنْ الْبُغَاةِ هَذَا لَا يَتَخَيَّلُهُ أَحَدٌ، وَنُصُوصُ الشَّافِعِيِّ، وَكَلَامُ أَصْحَابِهِ يَرُدُّ مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَكَذَلِكَ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ" [2]
وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً دَخَلُوا الْحَرَمَ لِلْقِتَالِ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة:191] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:الْحَرَمُ كُلُّهُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. أَيْ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ لَا تُلْزِمُنَا بِحَمْلِ الْأَذَى عَنْهُمْ، كَمَا لَا يَلْزَمُنَا تَحَمُّلُ الْأَذَى عَنْ الصَّيْدِ حَتَّى إنَّ الضَّبُعَ إذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ فِي الْحَرَمِ جَازَ قَتْلُهُ دَفْعًا لِأَذَاهُ.
فَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَانْهَزَمُوا فَأَخَذُوا مِنْهُمْ الْأَسْرَى فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوهُمْ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرَاعُوا حُرْمَةَ الْحَرَمِ. فَيَكُونُ الْحَرَمُ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْحِلِّ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً.
بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ بَعْدَ الصِّيَالِ إذَا هَرَبَ لَمْ يَحِلُّ قَتْلُهُ. لِأَنَّ الصَّيْدَ غَيْرُ عَاقِلٍ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ دَفْعُ أَذَاهُ عِنْدَ قَصْدِهِ حِسًّا، وَقَدْ انْدَفَعَ ذَلِكَ بِهَرَبِهِ.
(1) - السنن الكبرى للنسائي (3/ 455) (3544) صحيح وانظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 459)
(2) - أسنى المطالب في شرح روض الطالب (4/ 116)