والترهيب والرقائق ونحوها , لم تراع ـ للأسف ـ من الناحية العلمية , فأكثر الذين يشتغلون بأحاديث الزهد والرقائق ,لا يميزون بين الضعيف وشديد الضعف , ولا يدققون في أن يكون الحديث مندرجًا تحت أصل شرعي ثابت بالقرآن , أو بصحيح السنة , بل ربما يغلب عليهم ـ كما قلت من قبل ـ الشغف بما كان فيه إثارة وإغراب , ولو منكرًا شديد النكارة , أو تلوح عليه دلائل الوضع.
منع الرواية بصيغة الجزم:
• الحقيقة الثالثة:
أن العلماء ذكروا هنا تنبيهًا مُهِمًّا , وهو ألا يقول في الحديث الضعيف: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هكذا بصيغة الجزم والقطع.
قال ابن الصلاح في النوع الثاني والعشرين من (علوم الحديث) :ـ
«إِذَا أَرَدْتَ رِوَايَةَ [الحَدِيثِ] الضَّعِيفِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ فَلاَ تَقُلْ فِيهِ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا"وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الأَلْفَاظِ الجَازِمَةِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَقُولُ فِيهِ:"رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ بَلَغَنَا عَنْهُ كَذَا وَكَذَا، أَوْ وَرَدَ عَنْهُ، أَوْ جَاءَ عَنْهُ، أَوْ رَوَى بَعْضُهُمْ"وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا الحُكْمُ فِيمَا تَشُكُّ فِي صِحَّتِهِ وَضَعْفِهِ، وَإِنَّمَا تَقُولُ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فِيمَا ظَهَرَ لَكَ صِحَّتُهُ بِطَرِيقِهِ الَّذِي أَوْضَحْنَاهُ أَوَّلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» [22] .
وما قاله ابن الصلاح وافقه عليه النووي , وابن كثير , والعراقي , وابن حجر , وكل من كتب في مصطلح الحديث.
ولكن الخطباء , وَالمُذَكَّرِينَ والمؤلفين الذين يرون الأحاديث الضعيفة لا يلقون
(22) "مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح"، تحقيق د. عائشة عبد الرحمن، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب: ص 217.