الصفحة 23 من 119

دفعهم للتخفي ووضع شعار التقية ملاذًا لهم من أذى الناس كافة، وهذا الأمر يقر به الإمامية قبل غيرهم، ولذا فمن الطبيعي أن يعود المظفر فيقر ويعترف أن هذه الصفة تخصهم دون سائر الخلق، وتعني عقيدة المفارقة لسبيل المؤمنين حيث قال: (( وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأمم ) ) [1] .

حكم التقية:

بعد أن بينا عقيدة التقية عند الإمامية، وما حواه مضمونها من أقوال علمائهم، لا بد أن نوضح حكم التقية على وفق الأصول التي يسير عليها الإمامية في معتقدهم، والملفت للنظر تخبط علماء الإمامية في تقرير وجوبها أو عدمه، ففي حين قال (المفيد) : (( والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم عليه السلام، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة عليهم السلام ) ) [2] ، فإن الطبرسي قيد وجوبها بالخوف على النفس عندما قال: (( والتقية عندنا واجبة عند الخوف على النفس، وقد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحق عندها ) )ثم أورد قصة الرجلين مع مسيلمة وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهما، وعلق عليها بقوله: (( فعلى هذا تكون التقية رخصة والإفصاح بالحق فضيلة ) ) [3] ، وقد نشأ هذا الاختلاف بين الإمامية في حكم التقية من تناقض الروايات - على كثرتها - عن الأئمة في جواز العمل بها أو عدمه، على أن الراجح من أصولهم بلا شك هو وجوبها عمومًا، وجواز تركها أحيانًا.

أما علماء الإمامية المعاصرون فإن نظرتهم للتقية لا تختلف عن نظرة أسلافهم، إذ يترجح وجوبها عمومًا عندهم قال البجنوري: (( لا شك في جواز الحكم التكليفي للتقية، بل وجوبه في بعض الأحيان، وجوازه من القطعيات واليقينيات ) ) [4] ، ولم يكن هذا التمييع لحكم التقية من باب الاجتهاد واختلاف الآراء فحسب، بل من تخبط علماء الإمامية في استيعاب

(1) المصدر نفسه: ص 119.

(2) الاعتقادات: ص 81.

(3) مجمع البيان: 1/ 430.

(4) القواعد الفقهية: 5/ 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت