الصفحة 24 من 119

المصطلحات وعدم التفريق بين وقوع الجرم من جهة والتهديد بفعله من جهة أخرى، بعبارة أدق عدم التفريق بين الإكراه والتقية قال الشيرازي: (( إن الحق عدم التفريق بين العنوانين الإكراه والتقية من حيث الملاك والمغزى ... ) ) [1] ، ولا يصح هذا الاستدلال في عدم التفريق بين الأمرين إذ من المعروف أن للإكراه أحكام أخرى لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال في محل التقية، ويختلف مدلول كل منها كما هو مشهور بين أهل الأصول عند الفريقين وقد مر في المبحث الأول تفريق أهل السنة - خاصة الحنابلة - بين الأمرين، وهو الحق بأذن الله.

ولا يمكن لنا الإحاطة بحكم التقية عند الشيعة الإمامية إلا بالاستعانة بالروايات التي ينسبونها لأئمة البيت، والتي فيها حث عظيم للشيعة بالأخذ بالتقية على كل حال وعند كل الأفعال، اللهم إلا في المسائل التي تتفق مع أهل السنة والجماعة، والتي سنأتي على بيانها إن شاء الله.

فمن ذلك ما رواه الكليني وغيره عن أبي عمر الأعجمي قال: (( قال لي أبو عبد الله - عليه السلام: يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له ) ) [2] ، وروى الكليني أيضًا عن أبي بصير قال: (( قال أبو عبد الله - عليه السلام: التقية من دين الله، قلت: من دين الله؟! قال: أي والله من دين الله ) ) [3] ، وروى أيضًا عن حبيب بن بشر قال: (( قال أبو عبد الله - عليه السلام - سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب من التقية!، يا حبيب من كان له تقية رفع الله، يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله ) ) [4] ، والروايات في كتب الإمامية كثيرة لا يمكن أن نوردها هنا، وما هذه الروايات إلا أنموذج لها، قال البجنوري: (( أما الروايات ففوق حد الاستفاضة بل لا يبعد تواترها معنى، وقد عقد في(الوسائل) أبوبًا لها )) [5] ويعني به (وسائل الشيعة) للحر العاملي [6] .

والتقية عند الإمامية لا يجوز ترك العمل بها إلا عند خروج صاحب الزمان الذي يؤمنون بخروجه، فإذا خرج فحينئذ ترفع التقية وتعود الأشياء إلى أصلها!، فقد روى ابن بابويه القمي

(1) القواعد الفقهية: 1/ 394.

(2) الكافي: 2/ 217؛ فقه الرضا: 338.

(3) الكافي: 2/ 217؛ بحار الأنوار: 5/ 391؛ البرهان: 2/ 285.

(4) الكافي: 2/ 217؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة: 16/ 206.

(5) القواعد الفقيهة: ص 5/ 44.

(6) يمكن النظر إلى الكتاب المشار إليه: 1/ 107 فما بعدها و 16/ 203 فما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت