الصفحة 28 من 119

أهل البيت والتقية:

يدعي الإمامية بأن التقية بدأت مع الأئمة منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك عندما اختار المسلمون قاطبة، بما فيهم أهل البيت أبا بكر الصديق خليفة للمسلمين، وهذا الإدعاء لا يمكن أن يثبتوه حتى بالروايات المدونة في كتبهم على غرابتها وتناقضها وكثرتها، فلم ترد في كتبهم رواية تصرح تصريحًا واضحًا بأن عليًا أو أبنائه قال بالتقية، بل الروايات الواردة عنهم في هذا الباب من أقوال وأفعال تناقض هذه العقيدة في الغالب، بعبارة أخرى لم نرَ رواية تحث على الأخذ بالتقية صراحة للأئمة الخمس الأوائل الذين تدعي الإمامية اتباعهم، وإنما الروايات المشهورة في كتب القوم أكثر ما نقلت عن جعفر الصادق ومن جاء بعده، وأما والده محمد الباقر فقد وردت عنه بضع روايات وقع فيها التصريح بالتقية.

والسؤال الذي يطرح نفسه: متى ظهرت هذه العقيدة بشكلها الحالي عند الشيعة الإمامية؟.

بطبيعة الحال سنحاول تحقيق هذه المسألة بالاعتماد على الروايات الواردة في كتب الإمامية؛ لأن هذا كما هو معروف مهم في إلزامهم بالحجة البالغة والدليل الدامغ، فهم لا يؤمنون إلا بما في هذه الكتب، ويرفضون أي رواية أخرى وردت في كتب المسلمين.

لا بد أن نقرر منذ بداية التاريخ الذي بدأت فيه روايات الإمامية تتخذ منحى التقية سبيلًا لها، وإشاعة هذه العقيدة على ألسنة أئمتهم، فمن المؤكد أن التقية قد ظهرت بين الإمامية في بعد وفاة الإمام زيد بن علي (ت 121هـ) ، إذ روى الطبري وغيره أن زيد عندما أراد الخروج على بني أمية خرج معه سواد عظيم من أهل الكوفة، كان معظمهم من الشيعة، فطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فامتنع من ذلك وترضى وترحم عليهما، فرفضه السواد الأعظم منهم: (( فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة ) ) [1] ، وهذا يدل على أن هؤلاء القوم لم يكونوا قد اعتنقوا عقيدة (التقية) بعد، بل إنهم لم يعرفوها أصلًا وإلا لبرروا قعودهم عن نصرته تقيةً؛ لأن زيد بن علي بشهادة جعفر الصادق كان هو وعلى بين أبي طالب بمنزلة واحدة.

(1) تاريخ الطبري: 4/ 204؛ المنتظم: 7/ 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت