الصفحة 27 من 119

أحدًا شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج، قال زرارة ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدًا )) [1] ، ودلالة هذه الروايات في كتب الإمامية هي مخالفة أهل السنة والجماعة (المخالفين) في الأحكام الشرعية، وعدم التشبه بأعمالهم التعبدية حتى لو كانت موافقة للكتاب والسنة، وقد اعترف البنجوري بهذا التقرير عندما قال: (( إن هذه الروايات الكثيرة التي هي فوق حد الاستفاضة على الأذن والرخصة في امتثال الواجبات موافقة للمخالفين تقية ... ) ) [2] ، ولم يستبعد البعض من علمائهم التقية في هذه الأمور أيضًا إن كانت هناك مصلحة في ارتكابها: (( لأن المسح على البشرة أو متعة الحج ليس أهم من جميع الأحكام الإسلامية حتى ينفرد بهذا الاستثناء ) ) [3] .

إن ما تقدم من كلام يعطينا دلالة قاطعة على أن العمل بالتقية عند الإمامية لا يتوقف عند حد من الحدود المحرمة حتى لو كانت في شرب الخمر والمسح على الخفين المحرم بزعمهم؛ لأن ما يصدر منهم من قول أو فعل يمكن حمله على التقية، فلا يمكن أن تلزمهم بشيء أصلًا، أو تعتمد على ما يصدر منهم من أفعال، وهذا الأمر مشهور بينهم منذ ظهورهم، قال الشهرستاني: (( فكل ما أرادوا تكلموا به، فإذا قيل لهم في ذلك إنه ليس بحق وظهر لهم البطلان، قالوا إنما قلناه تقية وفعلناه تقية ) ) [4] ، وقد واجهت هذه المعضلة شيخ الإسلام ابن تيمية عندما كتب ردًا على ابن المطهر الحلي المعروف عندهم بـ (العلامة) ، ونبه على ذلك: (( حيث يقولون ديننا التقية وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه، وهذا هو الكذب والنفاق، ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة ) ) [5] ، ووافقه الغزالي في هذا الحكم فقال: (( وكل زنديق مستتر بالكفر يرى التقية دينا ويعتقد النفاق، وإظهار خلاف المعتقد عند استشعار الخوف حقا ) ) [6] ، وهذا الكلام يعطينا صورة واضحة لحكم العمل بالتقية دون ضرورة ملحة وحاجة شديدة، كما وتؤدي إلى انتشار النفاق بين من يعتقد بالتقية عقيدة ومنهجًا.

(1) وسائل الشيعة: 16/ 216.

(2) القواعد الفقهية: 5/ 49.

(3) الشيرازي، القواعد الفقهية: 1/ 422.

(4) الملل والنحل: 1/ 160.

(5) منهاج السنة النبوية: 1/ 68.

(6) فضائح الباطنية: ص 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت