الصفحة 26 من 119

المصالح ودرأ الغلو عن أذهان المسلمين بأن هذا الفعل هو جائز شرعًا رغم معارضته للأدلة الشرعية، حتى اعترف الطبرسي المسمى عندهم بـ (أمين الإسلام) بأن التقية لا يمكن أن تكون إلا خداعًا فقال في تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 9] قال: (( أي يخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم قالوا آمنا وهم غير مؤمنين أو بمجالستهم ومخالطتهم إياهم حتى يفشوا إليهم أسرارهم فينقلوها على أعدائهم، والتقية أيضًا تسمى خداعًا فكأنهم لما أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر صارت تقيتهم خداعًا ) ) [1] ، ومن الواضح في عبارة الطبرسي هذه التخبط بين الإمامية في وضع إطار عام لحدود العمل بالتقية، وفي حقيقة الأمر هي تشمل كل شيء في دينهم ومعتقدهم، فهي لا حدود لها، وإن وضعوا لها حدودًا فهي حدود وهمية سرعان ما تزول.

والأصل في الأعمال عند الإمامية التقية إلا في ثلاثة أمور هي قتل النفس والمسح على الخفين ومتعة الحج، وهذه تدخل في باب مخالفة أهل السنة والجماعة أكثر من كونها ابتعاد عن التقية، بعبارة أخرى تدخل في باب معارضة المخالفين وعدم التشبه بهم في دار التقية، وعموم الروايات عن الأئمة في كتب الإمامية تدل على هذا، فروى بابويه وغيره عن ابن أبي يعفور عن أبي جعفر قال: (( لا إيمان لمن لا تقية له ) ) [2] ، قال الشيرازي في تنظيره لهذه الرواية والروايات القريبة منها: (( فهي تدل على وجوب التقية إجمالًا في مواردها وأنها من أهم مسائل الدين ) ) [3] ، وقد أعطت هذه الروايات بعدًا غير متناهٍ للتقية بحيث لا يمكن معرفة تقية الإمامية من ثباتهم وعزيمتهم، ولا يقتصر ذلك على معاملاتهم مع (المخالفين) وإنما انتقل إلى معاملاتهم وعلاقتهم فيما بينهم، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان معرفة عمل التقية من عدمه حتى بين أفراد هذه الطائفة نفسها؛ لأنها تعد من ضروريات المذهب التي لا غنى عنها.

وقد وردت الروايات في كتب الإمامية تعضد ما ذهبنا إليه من أن الأصل هو العمل بالتقية وما عداه فهو من باب الرخصة، فقد روى ابن بابويه وغيره عن أبي عمر الأعجمي عن أبي عبد الله قال: (( التقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين ) ) [4] ، وروي أيضًا عن زرارة قال: (( قلت لأبي عبد الله - عليه السلام: في المسح على الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن

(1) مجمع البيان: 1/ 20.

(2) الكافي: 2/ 219؛ ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه: 3/ 363.

(3) القواعد الفقهية: 1/ 389 - 399.

(4) الخصال: ص 22 - 23؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة: 16/ 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت