الصفحة 31 من 119

لن تبور في مودته )) [1] ، ولا يمكن أن يكون الإنسان يتاقي في دعائه وهو بينه وبين ربه، وعلي بن الحسين مشهور عند الفريقين بحسن عبادته وكثرة سجوده حتى لقب رحمه الله بالسجاد [2] .

وهذا ابنه محمد المشهور بالباقر حاله حال أبيه في تركه للتقية بين أعوانه وأنصاره، وكان يجهر بترضيه على الشيخين، فمن ذلك ما روي عنه أن جماعة خاضوا عنده في أبي بكر وعمر وعثمان فقال لهم: (( وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ .. } [الحشر: 10] ) ) [3] .

فالتقية لم يقلها الأئمة ولم يعملوا بها وإنما نسبها الرواة إليهم، وقد حرّف علماء الإمامية معظم معاني الأخبار ونصوص الروايات الواردة في كتبهم وصرفوا دلالتها إلى التقية بدعوى أن الأئمة كانوا يتاقون خشية من خلفاء بني أمية وبني العباس، ولكن مثل هذه الدعوى لا يمكن أن تصمد كثيرًا إذا رجعنا مرة أخرى إلى رواياتهم، فقد روى الأردبيلي: (( أنه سئل الإمام أبي جعفر عن حلية السيف هل تجوز؟ فقال: نعم قد حلى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة فقال الراوي: أتقول هكذا .. ؟ فوثب الإمام عن مكانه، فقال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة ) ) [4] ، وفي رواية يرد بها الباقر على من قال إن كلامه هذا تقية عند سئل عن الشيخين: (( قال: إني أتولاهما، فقيل له: إنهم يزعمون أن ذلك تقية؟ فقال: إنما يخاف الأحياء ولا يخاف الأموات، فعل الله بهشام بن عبد الملك كذا وكذا ) ) [5] ، قال ابن حجر الهيثمي: (( فانظر ما أبين هذا الاحتجاج وأوضحه من مثل هذا الإمام العظيم المجمع على جلالته وفضله، بل أولئك الأشقياء يدعون فيه العصمة، فيكون ما قاله واجب الصدق، ومع ذلك فقد صرح لهم ببطلان تلك التقية

(1) المصدر نفسه: ص 48.

(2) أما فيما يخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والسبطين رضي الله عنهم، فأن أمرهم أشهر من أن يذكر هنا، وهم سادة أهل البيت في أقوالهم وأفعالهم، ويمكن مراجعة نقض التقية عن أعمالهم وأقوالهم فيما أورده الآلوسي (رحمه الله) من روايات في مختصر التحفة الاثني عشرية: ص 290 وما بعدها.

(3) أبو نعيم الحلية: 3/ 137؛ الطبري، الرياض النضرة: 1/ 298.

(4) كشف الغمة عن معرفة الأئمة: 2/ 148. وأخرجه من أهل السنة أبو نعيم، حلية الأولياء: 3/ 185؛ وعزاه ابن حجر الهيثمي إلى الدارقطني كما في الصواعق المحرقة: ص 79.

(5) الصواعق المحرقة: ص 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت