الصفحة 32 من 119

المشؤومة عليهم، واستدل لهم على ذلك بأن اتقاء الشيخين بعد موتهما لا وجه له، إذ لا سطوة لهما حينئذ، ثم بين لهم بدعائه على هشام الذي هو والي زمنه وشوكته قائمة أنه إذا لم يتقه مع أنه يخاف يخشى لسطوته وملكه وقوته وقهره، فكيف مع ذلك يتقي الأموات الذين لا شوكة لهم ولا سطوة، وإذا كان هذا حال الباقر فما ظنك بعلي الذي لا نسبة بينه وبين الباقر في إقدامه وقوته وشجاعته وشدة بأسه وكثرة عدته وعدده، وأنه لا يخاف في الله لومة لائم )) [1] .

ولم يكن استنكار الأئمة للتقية مقصورًا على المتقدمين منهم، بل هناك أكثر من رواية عن المتأخرين ممن تدعي الإمامية عصمتهم واتباعهم فيها ذم شديد وتقريع عظيم لتفريط الإمامية بأمور الدين بحجة التقية، فقد روى ابن بابويه - في التفسير المنسوب إلى الحسن بن علي العسكري - أن جماعة من الشيعة أتوا الرضا فاستأذنوا بالدخول فقال علي بن موسى الرضا لحاجبه بعد انتظار طويل: (( ائذن لهم ليدخلوا، فدخلوا عليه، فسلموا عليه، فلم يرد عليهم، ولم يأذن لهم بالجلوس، فبقوا قيامًا، فقالوا: يا ابن رسول الله ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد هذا الحجاب الصعب، أي باقية تبقي منا بعد هذا؟ فقال الرضا - عليه السلام: اقرؤا {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] ، ما اقتديت إلا بربي عز وجل فيكم، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم وبأمير المؤمنين عليه السلام ومن بعده من آبائي الطاهرين عليهم السلام عتبوا عليكم، فاقتديت بهم، قالوا: لماذا يا ابن رسول الله؟ قال لهم: لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام -، ويحكم شيعته الحسن والحسين عليهما السلام وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار ومحمد بن أبي بكر، الذين لم يخالفوا شيئًا من أوامره ولم يرتكبوا شيئًا من فنون زواجره، فأما أنتم إذا قلتم أنكم شيعته، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون، مقصرون في كثير من الفرائض ومتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون التقية حيث لا بد من التقية ... ) ) [2] وفي هذه الرواية يتضح معاناة الأئمة من هؤلاء الاتباع بسبب تهاونهم في أداء شعائر الإسلام، ولا يمكن أن يدعي الإمامية أن هذه تقية، لأن الرضا هنا بين شيعته وخاصته حيث لا مجال للتقية أو المداراة.

(1) المصدر نفسه: ص 180.

(2) تفسير العسكري: ص 312 - 313.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت