الصفحة 58 من 119

مشتركًا بين الحجاج بن عمرو وأصحابه وبين عبادة بن الصامت؛ لأن هذه الآية تدل على عدم موالاة اليهود، والنهي الواقع فيها هو عبارة عن خطاب عام موجه للمؤمنين عامة، لذلك قال الطبري ممهدًا لقصة الحجاج بن عمرو: (( نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم اللطف ويخالفونهم في الدين ) ) [1] .

والآيات في النهي عن موالاة الكافرين كثيرة منها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا} وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} وقوله تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} ، ولذا لا خلاف بين العلماء من ترك موالاة الكفار على كل حال.

وهذا ثابت عند الإمامية أيضًا قال العياشي في تفسير آية المائدة المتقدمة: (( لا تعتمدوا على الانتصار بهم متوددين إليهم، ولا تعاشرونهم معشارة الأحباب بعضهم أولياء بعض في العون والنصرة ويدهم واحدة وهم المتفقون في مضادتكم، ومن يتولهم منكم فإنه منهم من استنصر بهم فهو كافر مثلهم ) ) [2] ، وسياق الآية يشهد بأن مقام الذكر هنا مقام ولاء المؤمنين والبراء من الكافرين، ولذلك أكدت الآية على المؤمنين خاصة في قوله تعالى: {من دون المؤمنين} فذكر المؤمنون مرتين الأولى لدلالة على برائتهم من الكفار، والثانية التأكيد على موالاتهم للمؤمنين، وفسر الرازي ذلك بقوله: (( أي من غير المؤمنين كقوله تعالى {وادعوا شهدائكم من دون الله} أي من غير الله وذلك لفظ مختص بالمكان ) ) [3] ، وهذا الكلام هو أنسب بمعنى الآية الكريمة لأن الضدان لا يجتمعان كما قال الشاعر:

تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب

(1) تفسير الطبري: 3/ 228.

(2) تفسير العياشي: 2/ 41. وينظر أيضًا: الطوسي، التبيان: 3/ 550؛ كنز الدقائق: 4/ 136.

(3) التفسير الكبير: 8/ 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت