الصفحة 57 من 119

بالآيات المتقدمة على جواز التقية، وهي تدخل تحت باب شرع من قبلنا، ومن جهة أخرى يرفضون الشرائع المتقدمة ولا يثبتون لها حكما، وبهذا يمكن القول إن ما أوردوه في قصة أصحاب الكهف ومؤمن آل فرعون كدليل على جواز التقية لا يمكن أن يكون حجة بأي حال من الأحوال، لأنهم لا يقرون بحجيتها، فكيف يلزمون أهل السنة بها؟!.

الآية الثالثة:

{لا يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافِرينَ أوليَاءَ مِنْ دُونِ المُؤمِنينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلاَّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصيرُ} [آل عمران: 28] .

وهذه الآية هي عمدة ما يحتج به الفقهاء من الفريقين - خاصة من الشيعة الإمامية - على جواز التقية، وهي كذلك كما مر بيانه بصورة مجملة في الفصل الأول من هذا الكتاب، لكننا سنتناولها بالتفصيل هنا باعتبارها دليلًا قائمًا على جواز التقية عند غلبة الكفار، لا بين المسلمين كما يقرر ذلك الإمامية.

وأول شيء نحب أن ننبه عليه أن هذه الآية كانت قد نزلت في رهط من الأنصار كما روى ذلك ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد، قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زبير وعبد الله بن جبير وسعد بن خثيمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم ولزومهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ) ) [1] .

وروى الضحاك عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت، وكان بدريًا تقيًا، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب قال عبادة: (( يا نبي الله إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهر به على العدو ) )فأنزل الله تعالى هذه الآية [2] ، ولا إشكال في أن يكون سبب النزول في الآية

(1) تفسير الطبري: 3/ 228؛ السيوطي، الدر المنثور: 2/ 176.

(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 4/ 57؛ الرازي، التفسير الكبير: 8/ 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت