الصفحة 61 من 119

ولا نريد هنا إلا أن نذكر القارئ الكريم بما أوردناه سلفًا في الفصل الأول عند تعريف التقية عند الإمامية بأنها عبارة عن مكاتمة المخالفين، وتفسير هذا المصطلح عند الإمامية أنفسهم، إذ يعنون بهم أهل السنة، ولا نريد أن نعيد تلك الروايات التي ذكرناها هنا، ولكننا نوضح هنا بأن تحول التقية من فرع من فروع الدين إلى أصل من أصوله عند الإمامية كان سببه النفور الذي ظهر في نفوس المسلمين من معتقدات الإمامية خاصة فيما يتعلق بعقيدة تحريف القرآن الكريم، والطعن بصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والقول بعصمة الأئمة وغيرها من المعتقدات التي جعلت الإمامية يخفون كتبهم عن الآخرين خاصة فيما يتعلق بكتب الأخبار والعقائد.

وإذا عدنا إلى الآية الكريمة التي نحن بصدد تفسيرها علمنا أن المراد بها هنا التقية عند غلبة الكافرين، كما هو ثابت من الأخبار الكثيرة المروية عن سلف هذه الأمة، منها ما روي عن ابن عباس أنه قال: (( نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويتخذونهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين أولياء، فيظهرون لهم اللطف ويخالفونهم في الدين ) ) [1] ، وأكد هذا المعنى قتادة عندما قال: (( إذا كان الكفار غالبين أو يكون المؤمنون في قوم كفار فيخافونهم، فلهم أن يحالفوهم ويداروهم دفعًا للشر وقلبهم مطمئن بالإيمان ) )وغيرها من الآثار الكثيرة المذكورة في كتب التفسير [2] .

ولكننا نحب أن ننبه هنا إلى ما أورده بعض كتّاب الإمامية في كتبهم من الاحتجاج بهذه الآثار على جواز التقية، وهي لا تدل بأي حال من الأحوال على ما يعتقدونه من عقيدة التقية، إذ أن سلف الأمة كانوا يعرفون بأن التقية تكون بوجود فئة قليلة من المسلمين بين ظهراني الكفار، أو عند غلبة الكفار على المسلمين، وغالبًا ما كانت في بداية الدعوة كما في قصة عمار بن ياسر، وهذا الرأي مروي عن معاذ بن جبل ومجاهد الذين قالا: (( كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم ) ) [3] ، وهذا هو الراجح في تقديرنا، وما ذكره الإمامية هو

(1) تفسير الطبري: 3/ 227؛ السيوطي، الدر المنثور: 2/ 176.

(2) ينظر تفسير الطبري: 3/ 228 وما بعدها؛ السيوطي، الدر المنثور: 2/ 176.

(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 4/ 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت