فأما من موسى فخائف يترقب، وأما من عيسى فيقال فيه ما قيل في موسى، وأما من يوسف فالسجن والتقية )) [1] .
إن نسبة التقية للأنبياء بهذا الشكل الصريح فيها ثلمة عظيمة بقدرهم وإيمانهم؛ لأن التقية كما يعرفها الإمامية (كتمان الحق) ، فإذا كان النبي يكتم الحق ويماري الناس، فكيف يستطيع أن يثق الناس فيه؟ ثم إذا كان هذا النبي يتقي ويستتر بالتقية فكيف يمكن لاتباعه وأنصاره أخذ الشريعة عنه ومعرفة الأحكام التكليفية، بل معرفة الحلال من الحرام، وقد تناقضت آراء الإمامية في هذه المسألة تناقضًا يدل على تفريطهم بتنزيه الأنبياء عن المعاصي والنفاق، قال المجلسي: (( إن من حق النبي أن يخفي ولا يبين لأمته شيء من الشريعة إذا اقتضته المصلحة ) ) [2] ، في حين قال الغروي: (( أنه لو جاز التقية على الأنبياء لزالت فائدة بعثتهم وهو مناف للحكمة الباعثة عليه ) ) [3] ، ويبدو الغروي أكثر حكمه من صاحبه حين صرح بأن مصلحة بعثة الأنبياء تنتفي بالتقية، إذ لا يكون هناك تفريق بين أفعال النبي عليه السلام كمشرع، وأفعاله حين تقيته، ولا يمكن أن يصرح في كل صغيرة وكبيرة من أعماله بأن هذا تقية وهذا ليس بتقية.
وقد احتج الإمامية بما أورده أهل السنة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله عز وجل قوله: {إني سقيم} وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له: إن ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأله عنها فقال من هذه قال: أختي فأتى سارة قال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني ... ) )الحديث، وهذا الحديث لم يكن تقية من إبراهيم - عليه السلام - بل كان من باب التورية، فإن إطلاق الكذب على هذه الأمور الثلاثة في واقع الحال لم يكن كذبا كما قال الحافظ ابن حجر: (( لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين فليس بكذب محض ) ) [4] ، ولم يكن كذلك تقية كما روى ذلك الشيعة الإمامية في كتبهم؛ إذ أن الحس والعقل قاطع بأن الرسول ينبغي أن يكون صادقًا قطعًا،
(1) المجلسي، بحار الأنوار: 51/ 218.
(2) المصدر نفسه: 17/ 97.
(3) الفصول الغروية: ص 320.
(4) فتح الباري: 6/ 391.