الصفحة 65 من 119

موثوقًا بكلامه ليعلم بأن ما جاء به من وحي ورسالة صادق في أدائه وتبليغه وبيانه، وإلا فالكذب المحض لا يجوز في حقهم.

أما تسمية إبراهيم - عليه السلام - بأنها كذبات فلأن الأنبياء عليهم السلام كانوا يستعظمون الأمور، وإن كانت من باب الرخصة والتورية؛ ولذلك وجدناهم يتكلفون في ذكرها والتوبة منها رغم أن الله تعالى قد عصمهم من الذنوب، وهذا يفسر لنا رواية أخرى عن إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة عندما يأتيه الناس يطلبون منه أن يشفع لهم: (( فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذباته نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ... ) ) [1] ، ولأبي البقاء تقرير طيب هنا وهو قوله: (( الجيد أن يقال بفتح الذال في الجمع؛ لأنه جمع كذبة بسكون الذال وهو اسم لا صفة؛ لأنك تقول كذب كذبة كما تقول ركع ركعة، ولو كان صفة لكن في الجمع، وقد أورد على هذا الحصر ) ) [2] ، وعليه تدل رواية مسلم عندما ذكر (كذباته) صفة في الجمع.

على أن الإمامية الذين يعيبون على أهل السنة هذه الرواية التي لم يجدوا غيرها في الطعن بروايات أهل السنة رغم بيان العلماء لها، وإثبات العصمة للأنبياء؛ إلا أنهم يذكرون عشرات الروايات في الطعن بالأنبياء في مؤلفاتهم المعتمدة، بل في رواياتهم من التنقيص بقدرهم ما لا يعلمه إلا الله، وسنحاول أن نورد بعض الروايات لكي يتبين للقارئ من الذي ينتقص من الأنبياء، ومن الذي يطعن في عصمتهم.

من ذلك ما رواه ابن بابويه وغيره عن الإمام الرضا أنه قال: (( إن آدم لما أكرمه الله بسجود الملائكة له وإدخال الجنة قال في نفسه: أنا أكرم الخلق، فنادى عز وجل: ارفع رأسك يا آدم فانظر إلى ساق عرشي، فرفع آدم رأسه فوجد فيه مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، عليٌّ ولي الله أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟ فقال عز وجل: هؤلاء من ذريتك وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك وما خلقت الجنة والنار ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد

(1) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا: 3/ 1226 رقم 3182؛ صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى الناس منزلة: 1/ 185، رقم 194.

(2) فتح الباري: 6/ 391.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت