حجر في تعريفها على القول دون الفعل، وهو ما نجد النفس أميل إليه، لأن العلة من التقية هي المحافظة على النفس أو المال من شر الأعداء، وإذا كان هذا الأمر يحصل غالبًا بالقول دون الفعل فهو أليق بحال المسلم، وتدل عليه آية التقية المتقدمة، إذ أشارت إلى أن حصول ذلك يمكن أن يكون بالقول غالبًا بدليل الآية التي بعدها: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [آل عمران: 29] ، قال ابن كثير (رحمه الله) في تفسير هذه الآية الأولى: (( فمن خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم [الكافرين] فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته ) ) [1] .
العمل بالتقية:
لا شك في مشروعية العمل بالتقية عند أهل السنة والجماعة في حالة الضرورة، إذ الأصل في التقية هو الحضر ولابد من سبب قوي يبيح للمسلم اللجوء إليها، قال الجصاص: (( وإعطاء التقية إنما هو رخصة من الله تعالى وليس بواجب، بل ترك التقية أفضل، قال أصحابنا فيمن أكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل: إنه أفضل ممن اظهر ) ) [2] يعني التقية، والأدلة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على هذا، إذ امتنع خبيب بن عدي رضي الله عنه عن التقية، بعد أن أخذه المشركون وحبسوه وخيّروه بين سب النبي صلى الله عليه وسلم ومدح آلهتهم وبين القتل، فاختار الشهادة، وأخذ بالعزيمة دون الرخصة، فروي أن النبي صلى الله علية وسلم قال في حقه: (( هو أفضل الشهداء ) )، وفي رواية: (( هو رفيقي في الجنة ) ) [3] .
واعترض على هذه القصة بقصة عمار بن ياسر رضي الله عنه الذي: (( أخذه المشركون, فلم يتركوه حتى سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير , ثم تركوه , فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام ما وراءك؟ قال: شر، تركوني حتى نلت منك , وذكرت آلهتهم بخير، فقال عليه الصلاة والسلام: فكيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئنا بالإيمان قال: عليه الصلاة والسلام إن عادوا , فعد ) ) [4] ، وفيه نزل قوله تعالى
(1) تفسير ابن كثير: 1/ 358.
(2) أحكام القرآن: 2/ 290.
(3) كذا ورد في كتب الفقهاء، قال الحافظ ابن حجر: (( ولم أجده بكلا اللفظين ) ). الدراية: 2/ 197.
(4) الحاكم، المستدرك: 2/ 389 وقال: (( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ) )؛ البيهقي، السنن الكبرى: 8/ 389 قال الحافظ ابن حجر: (( وإسناده صحيح ) ). الدراية: 1/ 197.