الصفحة 8 من 119

: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ} ، وقد أخذ بعض العلماء هذا القول على ظاهره وإطلاقه، ولا يمكن حمله على ذلك لوجوه عديدة، الأول أن هذا كان في بداية أمر الإسلام حين كان المسلمون قلة مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس كما وصفهم تبارك وتعالى، وإليه أشار كل من معاذ بن جبل ومجاهد عندما قالا: (( كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم ) ) [1] ، والأمر الثاني كما قرر ذلك السرخسي إذ قال: (( وبعض العلماء رحمهم الله يحملون قوله عليه الصلاة والسلام:(فإن عادوا فعد) على ظاهره يعني إن عادوا إلى الإكراه , فعد إلى ما كان منك من النيل مني , وذكر آلهتهم بخير , وهو غلط , فإنه لا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يأمر أحدًا بالتكلم بكلمة الشرك , ولكن مراده عليه الصلاة والسلام , فإن عادوا إلى الإكراه , فعد إلى طمأنينة القلب بالإيمان؛ وهذا لأن التكلم وإن كان يرخص له فيه , فالامتناع منه أفضل )) [2] ، وهذا التقرير منه رحمه الله حسن، فهو يدل دلالة قطعية على أن الأصل كان اطمئنان القلب، وليس التكلم، إذ الامتناع حينها أفضل، والركون إلى سلامة العقيدة والصبر على الإيذاء من شيم المؤمنين، ومن هنا حدد ابن عباس رضي الله عنهما التقية في مثل هذه المواطن: (( هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ولا يقتل ولا يأتي مأثما ) ) [3] ، والسبب في التأكيد لسلامة القلب ضروري هنا لئلا يقع المسلم في مخاطر الكفر والشرك.

والشاهد على ذلك قصة عبد الله بن أبي سرح فإنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخذه المشركون , وأكرهوه على ما أكرهوا عليه عمار بن ياسر رضي الله عنه أجابهم إلى ذلك معتقدًا , فأكرموه , وكان معهم إلى أن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة , وقد كان من بين الذين أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح، فجاء به عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يبايعه , قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (( إن ابن أبي السرح اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله بايع عبد الله قال: فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على

(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 4/ 57.

(2) المبسوط: 24/ 44.

(3) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت