أصحابه، فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟! فقالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، هلا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين )) [1] ، ويروى عن أبي عبيدة في سبب نزول قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] قال: (من كفر بعد إيمانه) عمار بن ياسر رضي الله عنه، وقوله تعالى: (ولكن من شرح بالكفر صدرًا) عبد الله بن أبي سرح [2] ، ومن المستبعد برأينا أن تصح هذه الرواية؛ لأن الآية مكية وقصة ابن أبي سرح مدنية.
والدليل الآخر على أفضلية العزيمة على الرخصة في حالة التقية ما روي عن الحسن: (( أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم فخلاه , ثم دعا بالآخر وقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم قال: أتشهد أنى رسول الله؟ قال: إني أصم , قالها ثلاثا ; فضرب عنقه , فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما هذا المقتول فمضى على صدقه ويقينه , وأخذ بفضيلة فهنيئا له , وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه ) ) [3] ، ففي هذه القصة - إن صحت - مدح النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الأول، وشهد له بالصدق واليقين، وهذه فضيلة له، في حين لم يعب على الآخر أخذه بالتقية، ومن المناسب الإشارة هنا إلى أن هذه الحوادث التي وردت لبعض الصحابة وقعت بين يدي أهل الكفر والشرك، وليس بين المسلمين، أو عند غلبة الدين، فحينئذ لا بد من إظهار كلمة الحق، والصدع بها كما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم: (( سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر ) ) [4] ، وقصة الإمام أحمد بن حنبل مشهورة في إيثاره العزيمة على أن يأخذ برخصة التقية، على الرغم من سطوة السلطان.
(1) أبو داود، السنن، كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام: 3/ 59، رقم 2683؛ النسائي، السنن، كتاب تحريم الدم، باب حكم المرتد: 7/ 106، رقم 4067.
(2) ابن سعد، الطبقات: 3/ 250.
(3) مصنف ابن أبي شيبة: 6/ 476.
(4) الحديث أخرجه الإمام أحمد، المسند: 3/ 19؛ الترمذي، السنن: 4/ 471؛ ابن ماجة، السنن: 2/ 1329؛ أبو داود، السنن: 4/ 124؛ النسائي، السنن: 7/ 161.