الصفحة 10 من 119

حكم التقية:

تقدمت الأدلة في جواز العمل بالتقية عند الضرورة، وأنها رخصة أقرها الإسلام على من وقع في فتنة في دينه أو ماله أو نفسه، وقد اختلف العلماء في شروط جوازها والعمل بها، لأن مقاصد الشريعة جاءت من أجل حماية النفس وصيانتها، وقد لا تحصل هذه الحماية إلا باللجوء إلى التقية، قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] ولكن الحق الذي ذهب إليه جمهور العلماء هو أن يثبت المسلم على ما هو عليه من الحق بظاهره، كما هو عليه بباطنه [1] .

وكما هو معلوم فإن الثبات أفضل وأعظم أجرًا من الأخذ برخصة التقية، فقد وردت في القرآن الكريم قصة (أصحاب الأخدود) إذ أمر الملك الكافر لمن آمن منهم أن يفتن بنار عظيمة سجرت في أخدود وقال: (( من لم يرجع عن دينه فاحملوه فيها، ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أُمَّهْ اصبري فإنك على الحق ) ) [2] ، قال القرطبي في معرض تعليقه على هذه الرواية: (( إن الصبر على البلاء لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى ... ولقد أمتحن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد فصبروا، ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك ) )ثم أستشهد بحديث أبي سعيد وقصة خبيب بن عدي رضي الله عنه [3] ، ولا يخفى على مسلم ثناء الله تعالى على هذه الأمة التي ألقيت في النار لإيمانها ولم يردها ذلك العذاب عن هذا الإيمان.

وحكى الله تعالى موقفًا مشابهًا مع أحد الطغاة، وهم سحرة فرعون الذين قالوا له بعد إيمانهم برب العالمين، وإنذار فرعون لهم بالعذاب العظيم: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} ، [طه: 72] قال ابن كثير: (( أي لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين، والذي فطرنا وخالقنا

(1) الموسوعة الفقهية: مادة (التقية) .

(2) مسلم، الصحيح، كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود: 4/ 2300، رقم 3005.

(3) الجامع لأحكام القرآن: 19/ 293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت