الذي أنشأنا من العدم المبتدئ خلقنا من الطين فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت، فاقض ما أنت قاض: أي افعل ما شئت وما وصلت إليه يدك إنما يقضي هذه الحياة الدنيا، أي إنما لك تسلط في هذه الدار وهي دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار )) [1] ، والآيات في هذا الباب كثيرة معلومة.
أما ما جاء في السنة فقد تقدمت بعض الأدلة على جواز التقية منها حادثة عمار بن ياسر، وفعل الأسيرين عند مسيلمة الكذاب، وكيف مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلم الذي ثبت فقُتل: (( مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلته فهنيئًا له ) )، وهذا يدل على التفضيل، والأمر نفسه ذهب إليه السرخسي في احتجاجه بقصة ثبات خبيب بن عدي على دينه وإيمانه فقال: (( فبهذا يتبين أن الامتناع أفضل ) ) [2] .
ويبدو أن مذهب البخاري (رحمه الله) كان في إيثار الثبات على الأخذ بالتقية، فقد بوب لهذه المسألة بابًا بعنوان (باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر) أورد فيه حديث خباب ابن الأرت أنه قال: (( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة , فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل , فيحفر له في الأرض فيجعل فيه , فيجاء بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه فيجعل نصفين , ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه , فما يصده ذلك عن دينه ثم قال صلى الله عليه وسلم والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت , لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه , ولكنكم تستعجلون ) ) [3] ، ويتضح في هذا فقه الإمام البخاري وعمق فهمه لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن في الثبات إعزازًا لأمر الله تعالى واستظهارًا لدينه وإعلاءً لكلمته وإظهارًا لثبات المسلمين وبسالتهم وتثبيت لعامة المسلمين على الحق، قال الحافظ ابن حجر في بيان غرض البخاري من هذا الباب: (( فالقتل والضرب والهوان أسهل عند المؤمن من دخول النار، فيكون أسهل إن أختار الأخذ بالشدة ) ) [4] .
ومن الأدلة على ذلك أيضًا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر
(1) تفسير ابن كثير: 3/ 160.
(2) المبسوط: 24/ 45.
(3) صحيح البخاري، كتاب الإكراه: 6/ 2546، رقم 6544.
(4) فتح الباري: 13/ 268.