رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا: لأحدهما قرب، قال: ما عندي شيء، قالوا: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة )) [1] ، قال الشيخ سليمان بن عبد الله: (( في هذا بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل وأنه يوجب النار، ألا ترى إلى هذا لما قرب لهذا الصنم أرذل الحيوان وأخسه وهو الذباب كان جزاؤه النار ... ) )، ثم قال: (( إنه دخل النار بسبب لم يقصده بل فعله تخلصًا من شرهم ) ) [2] .
مما تقدم بيان جلي للأدلة الواردة في الكتاب والسنة في تحديد حكم العمل بالتقية، ومع ذلك فقد وضع العلماء أحكامًا كثيرة للعمل بها نذكر منها [3] :
1.أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار , ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان , وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان , بل يجوز أيضا أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة , ولكن بشرط أن يضمر خلافه , وأن يعرض في كل ما يقول , فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب، روى البخاري عن أبي الدرداء قال: (( إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا تلعنهم ) ) [4] .
2.أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل , ودليله ما ذكرناه في قصة خبيب بن عدي وأصحاب الأخدود وسحرة فرعون.
3.أنها تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة , وقد تجوز أيضا فيما يتعلق بإظهار الدين فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنى وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين , فذلك غير جائز البتة.
4.أن ظاهر الآية يدل على أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب الشافعي (رحمه الله) أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس [5] .
(1) أخرجه ابن أبي شيبة من حديث سلمان الفارسي، المصنف: 6/ 473؛ البيهقي، شعب الإيمان: 5/ 485؛ ابن أبي عاصم، السنة: ص 15؛ أبو نعيم، الحلية: 1/ 203.
(2) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: ص 161.
(3) الموسوعة الفقهية، مصدر سابق.
(4) صحيح البخاري: 5/ 2271.
(5) الجصاص، أحكام القرآن: 2/ 290.