جميع الخلائق، الذي يعلو في قهره وقوته، فلا غالب ولا منازع له سبحانه، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه، (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون َ) (المؤمنون:91) فيستحيل أن يكون لهذا العالم إلا إله واحد، لأن الله قاهر فوق عباده له العلو والغلبة، وقد تحدثنا عن اسم الله المتعال وبينا أنه لو فرضنا وجود إلهين اثنين متنازعين متشاكسين، مختلفين ومتضادين، وإراد أحده ما شيئا خالفه الآخر، فلا بد عند التنازع من غالب وخاسر، فالذي لا تنفذ إرادته فهو المغلوب العاجز، والذي نفذت إرادته هو القاهر القادر، قال تعالى: (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام:61) أي هو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله كل شيء وذل لعظمته وكبريائه كل شيء وعلا علي عرشه فوق كل شيء، قال ابن جرير الطبري: (ويعني بقوله القاهر أي المذلل المستعبد خلقه العالي عليهم، وإنما قال فوق عباده لأنه وصف نفسه تعالى بقهره إياهم، ومن صفة كل قاهر شيئا أن يكون مستعليا عليه، فمعنى الكلام إذا والله الغالب عباده المذللهم العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إياهم، فهو فوقهم بقهره إياهم وهم دونه) .
واسم الله القاهر يدل على ذات الله وعلى صفة القهر الكلي المطلق بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة القهر الكلي المطلق بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والقوة والأحدية، والكبرياء والعظمة، والجبروت والعزة، وغير ذلك من أوصاف الكمال واسم الله القاهر دل على صفة من صفات الأفعال.
كيف ندعو الله باسمه القاهر دعاء مسألة ودعاء عبادة، دعاء المسألة أن يذكر الاسم في دعائه يتقرب به إلى ربه في دعائه، ليطلب به الرفعة إن كان ذليلا، والعزة إن كان مقهورا، فيسأل الله باسمه القاهر أن ينجيه ويقويه، ولم أجد داء مأثورا باسم الله القاهر، أما دعاء العبادة فهو مظهر يخضع فيه القوي لله توحيدا له في اسمه القاهر، ويستعلى الضعيف بربه توحيد له في اسمه القاهر، والله عز وجل وعد المؤمنين بالعلو والتمكين فقال: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز ٌ) (المجادلة:21) (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (آل عمران:160) (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة:56) (وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ) (الصافات:116) (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون َ) (الصافات:173) وفي صحيح مسلم من حديث عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ) .
الاسم الثاني والخمسون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله القهار، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير النصوص القرآنية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه، في قوله تعالى: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف:39) (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد:16) (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (إبراهيم:48) واسم الله القهار ارتبط باسمه الواحد في القرآن والسنة وذلك لأن الله قاهر فوق كل قاهر، فلا يوجد الانفراد في القهر إلا لله وحده، وذلك لأن كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره، ثم فوق ذلك القاهر قاهر أعلى، حتى تنتهي قوة القهر للواحد القهار، فالقهر والتوحيد متلازمان، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار ُ) (صّ:65) (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ