فالعبد إن أعطاه شكر وإن منعه صبر وازداد في التقوى والدعاء توحيد لله في اسمه الوهاب وتعلقا بتحقيق ما يشاء (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) (إبراهيم:39) وقال عن زكريا لما دعاه: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء:90) ولا يجب على الله شيء فما يعطيه لعباده ظاهرا وباطنا ودنيويا وأخرويا، هي نعم وهبات وهي من الكثرة بحيث لا تحصيها الحسابات: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل:18) .
ونعم الله كامنة في الأنفس وفي سائر المخلوقات، تراها ظاهرة بادية في سائر الآيات، نعم وعطاء وجود وهبات أنعم بها المتوحد في اسمه الوهاب سبحانه وتعالى، (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (صّ:30) (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) (الأنعام:84) هو الوهاب الذي يهب النعم لمن يشاء من خلقه (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم:50) (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) (مريم:53) (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ) (الأنبياء:72) .
واسم الله الوهاب يدل علي ذات الله وعلي صفة العطاء والهبة بدلالة المطابقة، وعلي ذات الله وحدها بالتضمن، صفة العطاء والهبة وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية، والعلم والقدرة، والصمدية الأحدية، والغني والعزة، والجلال والقوة، والملك والعظمة، واسم الله الوهاب دل علي صفة من صفات الفعل.
كيف ندعو الله باسمه الوهاب دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما ورد عند الحاكم في المستدرك من حديث أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي فلما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قال سبحانك اللهم، اللهم اغفر لي إنك أنت الوهاب) والحديث ضعفه الشيخ الألباني، وكذلك ورد عند الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا استيقظ من الليل قال لا إله إلا أنت سبحانك اللهم إني أستغفرك لذنبي وأسألك برحمتك اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
أما دعاء العبادة فهو أثر الإيمان بالاسم وتوحيد الله فيه بأن يتصف العبد بالكرم والعطاء، كما ورد عند البخاري كتاب الحيل عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ) ، وفي سنن أبي داود والنسائي وصححه الشيخ الألباني: (لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إِلاَّ مِنْ وَلَدِهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ ثُمَّ يَقيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) (قال لا يحل لرجل أن يعطي لرجل عطية أو يهب هبة ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ومثل الذي يرجع في عطيته أو هبته كالكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه) ، وعند البخاري من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَبْتَغِى بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).