ووجه الحسن في أسماء الله أنها دالة على ذات الله، فكانت حسنى لدلالتها على أحسن وأعظم وأقدس مسمى وهو الله عز وجل، فهي بالغة في الحسن من جهة الكمال والجمال، (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام) (الرحمن:78) فلله ولأسمائه منتهى العظمة والجلال، وذلك لأن أسماءه متضمنة لصفاته الكاملة التي لا نقص فيها بحال من الأحوال، فاسم الله الحي متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، الحياة التي تستلزم كمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر، واسمه العليم متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان قال الله تعالى: (قَالَ عِلمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طه:52) وهو العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال خلقه قال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام:59) ، واسمه الرحمن متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم:
(اللّهُ أرحمُ بعبادِه من هذهِ بولَدِها) ، وذلك أن أمرة وقعت في السبي ففقدت صبيها وتضررت باجتماع اللبن في ثديها، فكانت إذا وجدت صبيا أرضعته ليخفف عنها، فلما وجدت صبيها بعينه أخذته فالتزمته، فألصَقَتْه ببَطنها وأرضَعَتْه، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فقال لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أتُرَونَ هذهِ طارحةً وَلدَها في النار؟ قلنا: لا، وهي تَقدِر على أن لا تَطرَحهُ، فقال: اللّهُ أرحمُ بعبادِه من هذهِ بولَدِها.
واسم الله الرحمن كما أنه متضمن للرحمة الكاملة فإنه متضمن أيضا للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُل شَيْءٍ) ، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: (الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُل شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلمًا فَاغْفِرْ لِلذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ) (غافر:7) .
وجميع الأسماء حسنى وعظمى على اعتبار ما يناسبها من أحوال العباد، فاسم الله الأعظم في حال الفقر الغني، وفي حال الضعف القوى، وفي حال الجهل العليم، وفي حال السعي والكسب الرزاق، وفي حال الذنب التواب الغفور الرحيم، وفي حال الحرب وقتال العدو فنعم المولى ونعم النصير، وهكذا كل اسم هو الأعظم في موضعه، على حسب حالة العبد وما ينفعه، والله عز وجل أسماؤه لا تحصى ولا تعد، هو الوحيد الذي يعلم عددها، كما ورد من حديث ابن مسعود في صحيح بن حبان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ) لكن الله عز وجل من حكمته أنه يعطي كل مرحلة من مراحل خلقه، معرفة ما يناسبها من أسمائه وأوصافه، وتظهر فيها دلائل كماله وجماله وجلاله، ففي مرحلتنا مرحلة الابتلاء، مرحلة الدنيا وما فيها من شهوات وأهواء، وحكمة الله في تكليفنا بالشرائع والأحكام، والحلال والحرام، في هذه المرحلة عرفنا الله بجملة من أسمائه تتناسب مع متطلباتنا وعلاقتنا بالله، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة) .
فالحياة لما كانت دار للابتلاء ومحلا للبلاء، الناس فيها مختلفون آجالا وأرزاقا، ألوانا وأخلاقا، منهم الغني والفقير، الصحيح والعليل، الأعمى البصير، الجاهل والخبير، منهم الجبار والذليل، القوى والضعيف، الغليظ واللطيف، منهم