فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 248

الظالم والمظلوم، والحاكم والمحكوم، المالك والمعدوم، منهم الكاذب والصادق، المخلص والمنافق، إلى غير ذلك من أنواع الأخلاق وتنوع الأرزاق، واختلاف السلوك، وابتلاء ملك الملوك، لما كانت الدنيا كذلك، كانت حكمة الله في تعريف الخلائق، بما يناسبهم من أسمائه فالمذنب إن أراد التوبة سيجد الله توابا رحيما عفوا غفورا، والمظلوم سيجد الله حقا مبينا، حكما عدلا وليا نصيرا، والضعيف سيجد الله قويا قديرا، والمقهور سيجد الله عزيزا جبارا، والفقير سيجد الله رزاقا كفيلا وكيلا، وهكذا سيجد العباد من الأسماء ما ينسب حاجتهم ومطالبهم، فالفطرة اقتضت أن تلجأ النفوس إلى قوة عليا عند ضعفها، وغينا أعلى عند فقرها، وتوابا رحيما عند ذنبها، وسميعا بصيرا قريبا مجيبا عند سؤالها، ومن هنا كانت لكل مرحلة ما يناسبها من أسما الله وصفاته، ألا ترى أنه في البدء عندما أسكن الله آدم وحواء في جنة الابتلاء، فأكلا من الشجرة وانكشفت العورة وتطلبت الفطرة مخرجا وفرجا، وكان الفرج والمخرج في أسما الله التي تناسب حالهما وتغفر ذنبهما، فعلمه الله كلمات، ما هي هذه الكلمات؟ أسماء لله وصفات، علمه أن يدعوه باسمه التواب الرحيم، (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:37) أَي تَعَلمها ودعا بها (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ) (لأعراف:23) .

وعند البيهقي من حديث أنس في قوله عز وجل: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) قال: سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم.

فطالما أن الدنيا للابتلاء فإن الله قد عرفنا بما يناسبهما ويناسبنا من الأسماء، وهذه الأسماء ربما لا ينفع الدعاء بها في مرحة أخري كمرحلة الآخر، فلو دعا الكافرون والمشركون ربهم يوم القيامة باسمه الغفور التواب، أن يغفر لهم ويرحمهم من العذاب لما استجيب لهم، لأن كل مرحلة لها ما يناسبها من الحكم وإبداء الأسماء، ولذلك فإنه عند مجيء الحق للفصل بين الخلق يوم القيامة، يغضب غضبا شديدا لم يَغضَبْ قبلَه مثله، ولن يَغضبَ بعدَهُ مثلَه، فيبلُغُ الناسَ من الغمِّ والكَرَبِ ما لا يُطيقون ولا يَحتمِلون، فيبحثون عن شفيع لكن الأنبياء يتخلفون، إلا صاحب المقام المحمود، يقول أنا لها عندها، كما ورد في صحيح البخاري ومسلم يقول:

(فأنطِلقُ، فآتي تحتَ العرش فأقَعُ ساجِدًا لربي عزَّ وجل، ثمَّ يَفتح اللهُ عليَّ من مَحامِدِه وحُسنِ الثناءِ عليهِ شيئًا لم يَفتحْهُ على أحدٍ قبلي، ثم يُقال: يا محمد، ارفَعْ رأسك، سَل تُعطَهْ، واشفعْ تُشَفع) وتلك المحامد كما ذكر ابن القيم ذكر لله ودعائه بأسماء وصفات لم يعرفها لأحد من خلقه.

فأسماء الله كلها حسنى وكلها عظمى على اعتبار ما يناسبها من أحوال العباد، كابتلاء لهم في الاستعانة بالله والصدق مع الله، والخوف منه والرغبة إليه والتوكل عليه وغير ذلك من معاني توحيد العبودية لله، حتى يجتهد العباد في الطاعة ويسارعون في الخيرات، والنبي صلى الله عليه وسلم أيضا لم يبين التسعة والتسعين اسما على وجه العد والتفصيل، للاجتهاد في البحث والتحصيل، فذلك لحكمة بالغة، وأنوار ساطعة، أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ترفع الدرجات وتتفاوت المنازل في الجنات، فيلزم لحفظها إحصاؤها واستيفاؤها، ثم الإحاطة بمعانيها، والعمل بمقتضاها، ثم دعاء الله من خلالها، وحسن المراعاة لأحكامها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت