وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَكِبْنَا مَعَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ: مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلاَتِنَا؟ ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلاَةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلاَةِ الأُخْرَى -فينام -، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا، ثُمَّ قَالَ: مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا؟ .. قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا عَطِشْنَا، فَقَالَ: لاَ هُلْكَ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ قَالَ أَطْلِقُوا لِى غُمَرِى - هو القدح الصغير- قَالَ: وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسِنُوا الْمَلأَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى، قَالَ: فَفَعَلُوا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُبُّ، وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِىَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي اشْرَبْ: فَقُلْتُ لاَ أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا، قَالَ: فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً، أي مستجمين نشاطًا مستريحين.
الاسم الثامن والتسعون من أسماء الله الحسني هو اسم الله المقيت، فقد سمي الله نفسه به علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية في موضع واحد من النصوص القرآنية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه في قوله تعالي: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) (النساء:85) فالله من فوق عرشه مقيت له الكمال المطلق في إقاتة خلقه ورزقهم، فإن أضفت إلى الإطلاق اجتماع معاني العلو كان ذلك من كمال الكمال في الاسم والصفة.
والمقيت اسم فاعل للموصوف بالإقاتة، فعله أقات، وأصله قَات يَقُوت قُوتا، والقوت لغة هو ما يمسك الرمق من الرزق، تقول قات الرجلَ وأقاته أي أعطاه قوته، والمصدر منه الفعل قات القوت، وهو المدخر المحفوظ الذي يقتات منه حين الحاجة، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) .
والله عز وجل مقيت يعطي كل مخلوق قوته ورزقه، فربما يحفظه المرء ويدخره لأمد طويل أو قصير، كيوم أو شهر أو سنة، وذلك لئلا ينشغل بطلب القوت كل حين، بل ينشغل في طلبه أياما، ثم ينصرف في الأيام الأخرى لبقية مصالحه، وهذا لا ينافي التوكل على الله، ولا يعارض القدر كتبه الله، فإن الأخذ بالأسباب أمر مطلوب والإعداد لمستقبل الشخص أمر مرغوب، ولو ترك ذريته أغنياء خير من أن يذرهم عالة يتكففون الناس، وعند البخاري من حديث عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِ النَّضِيرِ، وَيَحْبِسُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، وليس هذا الاقتيات والادخار في بني آدم وحدهم، فكثير من الحيوانات يدخر قوته تحسبا لأنواع البلاء، فهذه فطرة الله في أغلب الأشياء، ولكنه فينا مشروط بعدم الاحتكار أو التضييق والإضرار، والله عز وجل هو المقيت الذي خلق الأقوات وأوصلها إلى الأبدان، فمن شي الأطعمة أنواع وألوان (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا