فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 248

بني آدم، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الانفطار:12) ، وحَفِظَ المالَ والسِّرَّ حِفْظًا رَعاه وصانه، واستحفظته سِرًّا واستحفظه إياه اسْترعاه، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) (المائدة:44) أَي استُودِعهم الكتاب واستأمنهم عليه، واحتفظ الشيءَ لنفسه يعنى خَصَّها به والتحفُّظ قلَّة الغَفْلة في الأُمور والكلام، والحَفِيظةُ هي الغَضَبُ لحُرمة من الحُرُمات تُنْتَهكُ أو عَهْد يُنْكَث أَو قريب يُظلَم.

والله عز وجل حفيظ لا يَعْزُب عنه مِثقالُ ذرّة في السموات والأرض، وقد حفِظ على خلقه وعباده ما يعملون من خير أَو شرّ، وحفِظ السماواتِ والأرضَ بقدرته، ولا يؤُوده حفظهما وهو العليُّ العظيم، والله حفيظ وحافظ لمخلوقاته يبقيها على حالها لغاياتها، فهو تعالى يحفظ الذوات والصفات، ويحفظ أعمال المكلفين بالحسنات والسيئات، ويحفظ عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم، لتصبح شهودا على أصحابها يوم القيامة، الحفيظُ معناه أيضا الحافِظُ لمن يشاءُ من الشَّرِّ والأذى والهَلَكَةِ والبلاء.

واسم الله الحفيظ يدل علي ذات الله وعلي صفة الحفظ من صفات الفعل بدلالة المطابقة وعلي ذات الله وحدها بالتضمن وعلى صفة الحفظ وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية والسمع والبصر والعلم والقدرة والهيمنة القوة وغير ذلك من صفات الكمال، واسم الله الحفيظ دل علي صفة من صفات الأفعال.

كيف ندعو الله باسمه الحفيظ دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما في حديث أبي هريرة: (إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ) ، وعند الترمذي وقال حَسَنٌ صَحِيحٌ من حديث ابْنَ عُمَرَ أنه كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا: ادْنُ مِنِّى أُوَدِّعْكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُوَدِّعُنَا فَيَقُولُ: (أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ) ، وفي صحيح مسلم ورد حديث يشمل نوعي الدعاء، دعاء المسألة ودعاء العبادة، فمن حديث أَبِى قَتَادَةَ رضي الله عنه أنه قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا، فَانْطَلَقَ النَّاسُ لاَ يَلْوِى أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، قَال َ: فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ: فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ: مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّى؟ قُلْتُ مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ، قَالَ: حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ؟، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ، قَالَ: فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الطَّرِيقِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، قَالَ: فَقُمْنَا فَزِعِينَ، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبُوا، فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، قَالَ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، قَالَ: وَبَقِىَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لأَبِى قَتَادَةَ: احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت