وعند البخاري من حديث أَبِى بَكْرَةَ أنه قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ، قالها مِرَارًا ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلاَنًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّى عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ.
والحسيب في اللغة صيغة من صيغ المبالغة فعله حسِب يحسِب حسَابا وحسبانا، واسم الفاعل من حسب الحاسب وهو الموصوف بمحاسبة غيره، والحساب ضبط العدد وبيان مقادير الأشياء المعدودة، سواء كان ذلك جزما أم ظنا، الحسيب هو الكافي الكريم الرفيع الشأن، الحَسَبُ هو الكَرَمُ والحسب في حقنا هو الشَّرَفُ الثابِتُ في الآباءِ والحَسَبُ أيضا هو الفَعالُ الصَّالِحُ، ويقال: رُبَّ حَسِيبِ الأَصلِ غيرُ حَسِيب ِأَي لَه آباءٌ يَفْعَلُونَ الخَيْرَ ولا يَفْعَلُه هو، قال تعالى: (واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ) أَي حِسابُه واقعٌ لا مَحالةَ، وسُرْعَةُ حِسابِ اللَّه أَنه لا يَشْغَلُه حِسابُ واحد عَن مُحاسَبةِ الآخَر، لأَنه سبحانه لاَ يَشْغَلُه سَمْع عن سمع، ولا شَأْنٌ عن شأْنٍ.
والله عز وجل حسيب ضابط لأعداد المخلوقات وهيئاتها وخصائصها وأوصافها يضبط المقادير والموازين، ويحصي أعمال المكلفين في مختلف الدواوين، ويحصي أرزاقهم وأقدارهم وأفعالهم ومآلهم، حال كونهم وبعد موتهم وعند حسابهم يوم يقوم الأشهاد: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) (الرعد:9) ، فهو الحسيب الذي له علو الشأن ومعاني الكمال، وله في ذاته وصفاته مطلق الجمال والجلال، ومن كان الله له حسيبا كفاه، ومن عرف الحسيب حاسب نفسه قبل أن يلقاه.
واسم الله الحسيب يدل علي ذات الله وعلي علو الشأن والمحاسبة بدلالة المطابقة، وعلي ذات الله وحدها بالتضمن وعلي علو الشأن والمحاسبة بدلالة التضمن، ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية والعلم الأحدية، والقدرة والصمدية والغني والقوة والعزة والعظمة وغير ذلك من صفات الكمال، واسم الله الحسيب دل علي صفة من صفات الأفعال.
كيف ندعو الله باسمه الحسيب دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما ورد في قول الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173) ، وعند البخاري في الحديث الذي ذكرناه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلاَنًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّى عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ) .
وعند البخاري من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (بَيْنَمَا امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا إِذْ مَرَّ بِهَا رَاكِبٌ وَهْىَ تُرْضِعُهُ، فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتِ ابْنِي حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ هَذَا، فَقَالَ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فِي الثَّدْيِ، وَمُرَّ بِامْرَأَةٍ تُجَرَّرُ وَيُلْعَبُ بِهَا فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا فَقَالَ: أَمَّا الرَّاكِبُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهَا تَزْنِي، وَتَقُولُ حَسْبِى اللَّهُ، وَيَقُولُونَ تَسْرِقُ، وَتَقُولُ حَسْبِى اللَّهُ) ، وعند البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قَالَ: (كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِىَ فِي النَّارِ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس:(إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173) ، وعند الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ متى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ