قلت في مقدمة هذا الكتاب: إن زيارة القبور كانت منهيًا عنها في أول الإسلام، ثم أذن الرسول صلى الله عليه وسلم بزيارتها بعد ذلك بقوله الشريف: (( نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ) )رواه مسلم. وفي رواية أبي داود: (( فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هُجرًا ) ). والسبب في هذا النهي ثم الإذن من بعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم - وهو الطبيب الحاذق - أراد أولًا أن ينتهي تعلق قلوب أصحابه بالقبور. حتى إذا أبَلّوا من مرضهم - بعد مرور فترة نقاهة كافية - وتعافت قلوبهم، وتخلصت تمامًا من هذا المرض الخطير، ولم يعد هناك خشية من انتكاسة مرضية ثانية - كما يحصل للمريض في فترة نقاهته حين يتعرض مرة أخرى إلى أسباب المرض - أذن حينذاك لهم صلى الله عليه وسلم بزيارتها. على أن هذه الزيارة كانت زيارة شرعية مقيدة بآداب الشرع، بعيدة عن الآثام والشركيات والطقوس البدعية الجاهلية.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ذهب لزيارة القبور سلم على أصحابها ودعا لهم كما جاء في صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» وفي رواية لابن ماجه: «اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم» .
هذه هي الزيارة الشرعية: نذهب إلى القبور نسلم على أهلها، وندعو لهم -لا ندعوهم- ونتذكر الآخرة عندهم.
فهذه ثلاثة أمور في زيارة القبور:
1.التسليم على الأموات
2.الدعاء لهم
3.تذكر الآخرة عندهم.