وأما الصوفية فقد دخلت عليهم الفلسفة من باب ( التشبه بالإله على قدر الطاقة ) فحاولوا إثبات تشبه العبد بالرب في الذات والصفات والأفعال , كما فعل الغزالي ومن تبعه في كتابه: ( المضنون به على غير أهله ) (1) , ثم جاء ابن عربي وتلامذته فقالوا بالوحدة المطلقة , لأن الفلاسفة يقولون: الوجود الحقيقي هو للعلة الأولي ( الله ) لاستغنائه بذاته , فكل ما هو مفتقر إليه فوجوده كالخيال . ومن هنا نشأت نظرية"وحدة الوجود"عند ابن عربي وقد انطلقت ابتداء مما يردده الصوفية بشكل عام من أن الموجود الحق هو الله سبحانه , ويعنون بذلك أن الموجودات والكائنات إنما هي صور زائفة ومجرد أوهام وليست ذاتًا منفصلة قائمة بنفسها , فمثلها لا يستحق أن يطلق عليه الوجود الحقيقي (2) , ولكنها حرفت عند ابن عربي عن مفهومها لدى الصوفية بحيث انتهى إلى القول بوحدة الوجود فقال أن الوجود الحقيقي هو الله سبحانه , ولكننا نرى هذه الكثرة والتعدد قائمة أمام أعيننا فلا يمكن إنكارها ومن ثم فهذه الموجودات كلها ليست سوى الله ذاته - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا - وكلها مظهر من مظاهره وتجل من تجلياته , وليست آية من آياته كما مفهوم أهل السنة فحقيقة الرب إذن أنه وجود مطلق لا اسم له ولا صفة ولا يرى في الآخرة , وليس له كلام ولا علم ولا غير ذلك ولكن يُرى في الكائنات (3) فكل كائن هو الله والله هو كل كائن , فاتحد بذلك الوجود مع الخالق المعبود , وتم له ما أراد من
(1) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل 5/82 .
(2) بعض المفكرين في هذا العصر - وهم من أهل السنة - من أطلق عبارة: أن الموجود والحق هو الله سبحانه وإنما قصد بذلك معنى لا يصادم الشرع وهو أن الله سبحانه وهو الباقي السرمدي بخلاف الموجودات الغائبة التي لا تستطيع القيام بنفسها بل هي مستندة إلى وجود الله سبحانه و وهو معنى وإن لم يصادم الشرع إلا أنه مدخل لكثير من التصورات التي قد تؤدي للوقوع في البدعة , والالتزام بالألفاظ الشرعية أولى وأهل السنة يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى حق قيوم على مخلوقاته , وأنه خلق الكائنات وجعل لها ذوتًا منفصلة لا علاقة لها بذاته , وهي موجودة حقيقة وليست صورًا أو أوهاما وأنها تفني في هذه الحياة الدنيا , وأن وجودها مستقل عن الخالق المعبود .
(3) انظر البقاعي في كتابه: تنبيه الغبي 19/40 وابن تيمية في الإيمان الأوسط /132 والشوكاني في قطر الولي /190 .