الصفحة 63 من 83

المناقشة والترجيح:

بعد النظر في أدلة المذهبين، فإنه يترجح في نظري ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول، من عدم جواز رفع أجهزة الإنعاش الصناعي، عن مريض الغيبوبة الدماغية، إذا كانت بسبب تلف جذع الدماغ، لما وجهوا به مذهبهم، ولما يلي:

(أ) إن هذه الأجهزة كما سبق أن بينت وسائل مسعفة للمريض، الذي تعطلت بعض وظائف أعضائه، أو اختل أداؤها، ليتمكن بها من تعويض الخلل الوظيفي في بدنه، نتيجة تعطل الأعضاء الطبيعية أو اختلال عملها، ريثما تعالج هذه الأعضاء، وتعود إلى سابق عملها، فوضع هذه الأجهزة عليه وإن كان من باب المعالجة والمداواة، إلا أنها لا يكون لها حكم الندب أو الاستحباب، وإنما يكون حكم وضعها على المريض الوجوب، لأن بها إنقاذ حياته من هلاك محقق، وإذا كان حفظ النفس واجبًا، وكان لا يتأتى حفظ نفس مريض الغيبوبة الدماغية هذا - الذي قلنا بأنه حي حقيقةً - إلا بوضع أجهزة الإنعاش الصناعي عليه، فإن وضعها عليه يكون واجبًا، لأن «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» ، كما تقرر القواعد الفقهية، ووجوب استمرار وضعها عليه، يقتضي حرمة رفعها عنه، باعتبار رفعها عنه في هذه الحالة، قتلًا عمدًا موجبًا للقصاص من فاعله، وذلك لأنه من المتيقن طبيًا أن رفع هذه الأجهزة عن المريض المفتقر إليها، تنهي حياته حتمًا، فكان رفعها عن هذا المريض، وسيلة تؤدي إلى قتله غالبًا، وقد اتفق جمهور الفقهاء - غير أبي حنيفة - على أن ذلك يشكل جريمة قتل عمدية FT [1] TF، مستوجبة للقصاص من الفاعل والمشارك له، وتأثيمهم كذلك.

(1) ابن نجيم: البحر الرائق 8/ 287، الكاساني: بدائع الصنائع 7/ 233، حاشية الدسوقي 4/ 242، بداية المجتهد 2/ 332، مغني المحتاج 4/ 2، الشيرازي: المهذب 2/ 287 - 288، المغني 9/ 347.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت