الصفحة 136 من 201

وثالثها: أَنَّهُ يَجوزُ أن يَكونَ أَبُوهُرَيْرَة قَدْ أَخبر نُعَيْم الْمُجْمِر بأنَّهُ قَرأها سِرًَّا، وَيَجوز أن يكونَ سَمعها مِنْهُ مُخافتةً (1) لقربِهِ مِنْهُ كَمَا رُوي مِن أنواعِ الاستفتاحِ وألفاظِ الذِّكرِ في القيامِ والقعودِ عن رسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ، ولم يَكن سَماعُ الصَّحَابَة ذَلِكَ مِنْهُ دَليلًا على الجهر بِهِ.

ورابعها: أنَّهُ قَدْ رَوَى مُسْلِم في (( صحيحه ) ): عن أَبِي هُرَيْرَة ـ رَضِيَ اللهُ عنه ـ قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ) ) (2) .

قَالَ الطّحاويّ: فيه دَليل على أنَّ الْبَسْمَلَةَ ليستْ مِن الفاتحةِ، ولو كانت منها لقرأها في الثَّانِيَةِ، كما قرأ فاتحة الكتابِ، وَالَّذِينَ استحبوا الجهر بها في الرَّكعةِ الأولى استَحبوا ذَلِكَ في الثَّانِيَةِ أيضًا لكونِها مِن أمِّ الْقُرْآن عندَهم. انتهى.

فهذا الحديثُ يعارضُ حديثَ نُعَيْم الْمُجْمِر مَعْ استقامةِ طَريِقَة وقُوة صِحتِهِ (3) .

وخامسها: أنَّا لَوْ سَلمنا أن مُراد نُعَيْم مِن قَولِهِ: فَقرَأ جهرًا، فَنَقولُ: الثَّابتُ عن رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ في الرِّواياتِ الصَّحيحةِ الأسرار بها فَعليهِ الاعتمادُ.

وقولُ أبي هُرَيْرَةَ إنِّي لأشبهكم بصلاةِ رسولِ للهِ، إنِّما أرادَ بِهِ أصلَ الصَّلاةِ ومَقادِيرها، وتَشبيه الشِّيء بالشيءِّ لا يَقتَضي أن يكون مِثله مِن كُلِّ وجهٍ، بل يَكفي في غالبِ الأقوالِ.

(1) وقع في الأصل: (( مخافة ) )، والتصويب من (( نصب الراية ) ) (ج1/ص413) .

(2) رواه مُسْلِم في كتاب المساجد في (بَاب مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ …) ، رقم (941) .

(3) من (( نصب الراية ) ) (ج1/ص413-414) بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت