والحديث ظاهر في المنع من الإحداد على كل أحد فوق ثلاث إلا على الزوج فإنه يحد عليه أربعة أشهر وعشر ، ولم تتعرض هذه الرواية إلى حكمه بل غاية ما هنالك أنها بينت حله وإباحته . ولكن رواية حفصة رضي الله عنها بينت أن ذلك سبيل الإيجاب ففي صحيح مسلم عن حفصة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا ) ) (1) . فقوله - صلى الله عليه وسلم -: (( فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا خبر بمعنى الأمر .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقًا على الحديث: قوله ( لا يحل ) استدل به على تحريم الإحداد على غير الزوج وهو واضح، وعلى وجوب الإحداد المدة المذكورة على الزوج . واستشكل بأن الاستثناء وقع بعد النفي فيدل على الحل فوق الثلاث على الزوج لا على الوجوب، وأجيب بأن الوجوب استفيد من دليل كالإجماع (2) وهو رحمه الله يشير بقوله: (( كالإجماع ) )إلى ما ذكره الإمام النووي رحمه الله حيث قال: واستفيد وجوب الإحداد في المتوفي عنها من اتفاق العلماء على حمل الحديث على ذلك مع أنه ليس في لفظه ما يدل على الوجوب .. (3) . وأجاب الحافظ ابن حجر رحمه الله عن عدم دلالة الحديث على الوجوب فقال: (( وأجيب بأن السياق يدل على الوجوب فإن كل ما منع منه إذا دل دليل على جوازه كان ذلك الدليل دالًا بعينه على الوجوب كالختان والزيادة على الركوع في الكسوف ونحو ذلك(4) .
(1) تقدم تخريجه ص 9 .
(2) فتح الباري 9/ (485 - 486) .
(3) شرح مسلم للنووي 10/112.
(4) فتح الباري 9/486 .