الصفحة 21 من 102

ويعترض جوابه رحمه الله أنه لا يلزم من ورود دليل الإباحة لشئ مُنِعَ أن يكون ذلك دالًا على الوجوب . قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين أثابه الله عند مراجعتي له في كلام الحافظ رحمه الله: في هذه القاعدة نظر، إذ يلزم منه أن كل مستثنىً من محرم فإن الاستثناء يدل على وجوبه وهذا غير مطرد. ثم أقول: إنه عند التأمل في الأمثلة التي ساقها رحمه الله نجد أنها لا تسلم من معارض، فإن الختان ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم وجوبه (1) ، كما أن زيادة الركوع في صلاة الكسوف سنة عند جماعة من أهل العلم. قال البهوتي رحمه الله في زيادة ركوع صلاة الكسوف: وما بعد الأول سنة لا تدرك به الركعة (2) .

ومما يقوي دلالة الحديث على وجوب إحداد المتوفى عنها زوجها رواية أم عطية رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار ) )متفق عليه واللفظ لمسلم (3) .

فإنه بعد ذكر مدة إحداد المرأة على زوجها المتوفى عنها عقبه بأحكام متعلقة به فيها نهي المعتدة عن أشياء مباحة في الأصل، فدل منعها منها مدة الإحداد على وجوبه عليها إذ لو كان الأمر مباحًا فقط لم يلزمها الامتناع عن المذكورات . قال النووي رحمه الله مشيرًا إلى هذا: ولكن اتفقوا على حمله - أي حديثنا هذا - على الوجوب مع قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر حديث أم سلمة، وحديث أم عطية في الكحل والطيب ومنعها منه والله أعلم (4) .

(1) انظر: فتح الباري 10/341.

(2) الروض المربع ص 127 .

(3) تقدم تخريجه ص 10 .

(4) شرح مسلم للنووي 10/112 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت