رابعًا: تضعيفكم حديث فريعة مردود لثبوته بالسند، وقد قال ابن القيم رحمه الله في جوابه: (( ليس في هذا ما يوجب رد هذه السنة الصحيحة الصريحة التي تلقاها عثمان بن عفان وأكابر الصحابة بالقبول ) ) (1) .
خامسًا: قولكم: لو كان مشروعًا مشهورًا لما خفي على عائشة وابن عباس رضي الله عنهما فالجواب عليه بأن يقال: لعله لم يبلغهما أو تأولاه أو قام عندهما معارض له فلا حجة فيما احتجوا به، وقد خفيت بعض السنن المشهورة على بعض أكابر الصحابة رحمه الله عنهم ولم يسوغ هذا تركها.
سادسًا: قولكم: إن كثيرًا من الصحابة رضي الله عنهم قتلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينقل أنه أمر نساءهم بأن يعتددن في بيوتهن فجوابه: أن عدم النقل ليس نقلًا للعدم، وقد ورد ما يدل على أن وجوب لزوم البيت للمتوفى عنها زوجها مستقر عندهم وذلك من حديث فريعة نفسه حيث لو لم يكن ذلك مشهورًا عندها أو عندهم لما احتاجت إلى الاستذان وذكر العذر لطلب النقلة.
ويستأنس بما ورد مرسلًا من طريق مجاهد وفيه قال: استشهد رجال يوم أحد فجاء نساؤهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلن: إنا نستوحش يارسول الله فنبيت عند إحدانا حتى إذا أصبحنا تبددنا في بيوتنا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة إلى بيتها ) )أخرجه البيهقي وعبدالرزاق (2) .
وأما إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم منعه إياها من التحول بعد ذلك فقد يكون اجتهادًا منه - صلى الله عليه وسلم - ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - لما تأمل مسألتها رأى عدم العذر المبيح للخروج فرجعها إلى الأصل وهو لزوم البيت مدة العدة أو أنه أوحي إليه عدم الإذن لها.
(1) زاد المعاد 5/ 691.
(2) تقدم تخريجه والكلام عليه ص 19.