فمن سرق مالًا من آخر فقد جاء بفعل هو سبب للمسئولية الجنائية، ولكنه لا يسأل شرعًا إلا إذا وجد فيه شرطا المسئولية وهما الإدراك والاختيار، فإن كان غير مدرك كمجنون مثلًا فلا مسئولية عليه، وإن كان مدركًا ولكنه غير مختار فلا مسئولية عليه أيضًا.
وإذا وجد سبب المسئولية وهو ارتكاب المعصية، ووجد شرطاها وهما الإدراك والاختيار، اعتبر الجاني عاصيًا، وكان فعله عصيانًا أي خروجًا على ما أمر به الشارع، وحقت عليه العقوبة المقررة للمعصية. أما إذا ارتكبت المعصية ولم يتوفر في الفاعل شرطا المسئولية أو أحدهما فلا يعتبر الفاعل عاصيًا ولا يعتبر فعله عصيانًا، وإذن فالوجود الشرعي للمسئولية الجنائية متوقف على وجود العصيان وعدمها تابع لعدمه.
والعصيان في الشريعة يقابل الخطأ والخطيئة La Faute في تعبير القوانين الوضعية، ولكن التعبير بالعصيان أدق في دلالته على المعنى المقصود - هو مخالفة أمر الشارع - من التعبير بالخطأ والخطيئة، فضلًا عن أن التعبير الأخير يؤدي إلى الخلط بين لفظ الخطأ بمعنى غير المتعمد، وبين لفظ الخطأ بمعنى مخالفة أمر الشارع.
285 -درجات المسئولية: رأينا فيما سبق أن الوجود الشرعي للمسئولية الجنائية يتوقف على وجود العصيان، فمن الطبيعي إذن أن تكون درجات المسئولية تابعة لدرجات العصيان.
والأصل في هذه المسألة أن الشريعة الإسلامية تقرن دائمًا الأعمال بالنيات وتجعل كل امرئ نصيبًا من نيته، وهذا معنى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، والنية محلها القلب ومعناها القصد، فتقول العرب: نواك الله بحفظه؛ أي قصدك الله بحفظه، فمن انتوى بقلبه أن يفعل ما حرمته الشريعة ثم فعل ما انتواه فقد قصده.