فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 1507

كلما كان فعل الجاني علة مباشرة للنتيجة، كذبح شخص بسكين؛ فإن الذبح علة مباشرة للموت. ولكن المسائل لا تعرض دائمًا بهذه السهولة. فهناك حالات كثيرة لا يكون فيها فعل الجاني هو العلة المباشرة للنتيجة، وإنما تتولد العلل وتتوالى بين الفعل والنتيجة بحيث تضعف صلة السببية بين الفعل المنسوب للجاني والنتيجة التي يسأل عنها، وبحيث يبعد الفعل عن النتيجة، ولا يكون سببًا مباشرًا لها، ومثل ذلك أن يحدث الجاني بالمجني عليه جرحًا بقصد قتله فينقل المجني عليه إلى المستشفى فيحدث حريق بالمستشفى يموت فيه المجني عليه، فهل يسأل الجاني عن الموت باعتبار أن الجرح الذي أحدثه سبب نقل المجني عليه إلى المستشفى، وأن النقل تولد عنه موت المجني عليه محترقًا، أم يسأل الجاني عن الجرح فقط؟ ومثل ذلك أيضًا أن يشهد شخصان زورًا على آخر بأنه قتل الثالث، فيحكم على المتهم البريء بالقتل وتنفذ فيه، ثم تتبين بعد ذلك براءته، فهل يعتبر شاهد الزور قاتلًا باعتبار أن فعله علة للحكم، وأن الحكم تولد عنه الأمر بالتنفيذ، وأن الأمر بالتنفيذ تولد عنه قيام الجلاد بقتل المحكوم عليه؟

ولحل هذه الصعوبات يفرق الفقهاء بين الثلاثة أنواع من العلل والأسباب:

أولها: العلل والأسباب الحسية: وهي العلل التي تتولد عنها النتائج توليدًا محسوسًا مدركًا لا شك فيه ولا خلاف عليه، بغض النظر عما إذا كانت النتيجة قد تولدت عن العلة المباشرة أو كانت قد تولدت عن علة متولدة عن العلة الأولى، فكلما كان فعل الجاني علة محسوسة ومدركة للنتيجة فهو مسئول عن النتيجة، كإشعال النار في بيت المجني عليه بقصد قتله، حتى إذا ما استيقظ كانت النار قد أحاطت به فلم يستطيع النجاة ومات محترقًا، فغن الجاني وضع النار في المنزل وكان وضعها علة في احتراق المنزل، وكان إحراق المنزل علة في موت المجني عليه محترقًا.

ثانيها: العلل والأسباب الشرعية: وهي العلل والأسباب التي تولد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت