الحكم عليه بالقصاص فقد ارتكب جريمة قتل متعمد؛ لأنه قتل شخصًا معصوم الدم في حقه؛ ولأن من المحتمل أن يعفو ولي الدم عن المحكوم عليه فيمتنع تنفيذ الحكم. وهذا هو رأي جمهور الفقهاء [1] .
والأصل في الشريعة أن إقامة الحدود واستيفاء العقوبات للسلطان، ولا يستثنى من هذا الأصل إلا القصاص فللمجني عليه أو وليه أن يستوفي العقوبة بنفسه.
ومن المتفق عليه أن لولي الدم أن يستوفي القصاص بنفسه في القتل بعد الحكم بالعقوبة وتحديد ميعاد التنفيذ، بشرط أن يكون الاستيفاء تحت إشراف السلطان وبشرط أن يكون ولي الدم قادرًا على الاستيفاء ومحسنًا له، فإن كان عاجزًا عن الاستيفاء أو لا يحسنه جاز له أن يوكل من يتوفر فيه هذان الشرطان، وليس ثمة ما يمنع من أن يكون الوكيل موظفًا مخصصًا لهذا الغرض.
أما القصاص فيما دون النفس فمختلف عليه، فيرى مالك والشافعي ورأيهما وجه في مذهب أحمد أن المجني عليه أو وليه ليس له أن يستوفي القصاص فيما دون النفس بأي حال سواء كان يحسن القصاص أو لا يحسنه؛ لأنه لا يؤمن مع قصد التشفي أن يحيف على الجاني أو يجني عليه بما لا يمكن تلافيه، وإنما يتولى القصاص من يحسنه من الخبراء، ويقول مالك في هذا:"أحب إلى أن يولي الأمام على الجراح رجلين عدلين، فإن لم يجد إلا واحدًا فأرى ذلك مجزئًا إن كان عدلًا" [2] .
ويرى أبو حنيفة ورأيه وجه في مذهب أحمد أن للمجني عليه أن يستوفي القصاص بنفسه فيما دون النفس؛ لأنه حقه فله استيفاؤه بنفسه كسائر الحقوق
(1) المغني ج9 ص356.
(2) مواهب الجليل ج6 ص253، 254، المهذب ج2 ص197، الشرح الكبير ج9 ص399.